الصفحة 134 من 208

المبحث الأول

الترتيب بين أجزاء التركيب

سبق أن فصل الباحث القول في بنية التركيب النحوي وتوصل إلى أن التركيب النحوي هو الصورة اللفظية التي تطوي في ثناياها فكرة تامة صدرت عن المتكلم ليصل بها إلى المخاطب، فالتركيب خاضع لمناسبات القول وللعلاقة بين المبدع والمتلقي، ولا يتم التفاهم في أية لغة إلا إذا روعيت تلك المناسبات وأخذت العلاقة بين أركانها بنظر الاعتبار، ولن يكون الكلام مفيدًا، ولا الخبر مؤديًا غرضه ما لم يكن حال المخاطب ملحوظًا ليقع الكلام في نفس المخاطب موقع الاكتفاء والقبول [1] .

ومن أجل ذلك أدرك النحاة الأوائل"تفاضل الأساليب وتفاوتها على وجه لا يتساوى [فيه] كلامان متغايران في الشكل والمضمون" [2] .

ولجأ اللغويون إلى تصنيف التركيب النحوي واعتمدوا في ذلك ضوابط وأسسًا مختلفة يتضح بها حدود كل نمط من هذه الأنماط وسلك سيبويه هذا المنحى فتحدث عن نوعين من التركيب في باب المسند والمسند إليه هما: (الأسمي والفعلي) ، وحدد عناصر كل واحد منهما فالاسمي ما تركب من"الاسم المبتدأ أو المبني عليه" [3] . والفعلي ما تركب من الفعل والفاعل وما يتعدى إليه الفعل إن كان متعديًا [4] .

واشترط لكل نمط ترتيبًا خاصًا، فالتركيب الاسمي يتكون من المبتدأ ثم الخبر، والتركيب الفعلي يتكون من الفعل ثم الفاعل وقد يتغير هذا الترتيب لسبب ما فيترتب على ذلك في بعض الحالات تغير وظيفي، لأن الوظيفة لا ترتبط بالموقع في كل الأحوال حتى في حالة تساوي المبتدأ والخبر في التعريف أو التنكير كما أشار إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني محللًا قول الشاعر:

بنونا بنو ابنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد [5]

(1) ينظر: في النحو العربي نقد وتوجيه: 225.

(2) منهج كتاب سيبويه في التقويم النحوي: 221.

(3) كتاب سيبويه: 1/ 23.

(4) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 34.

(5) لا يعلم قائله، وينسبه قوم للفرزدق، ينظر: شرح ديوان الحماسة، التبريزي، 2/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت