"فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة وإنما دلّ على أنه ينوي التأخير للمعنى، ولولا ذلك لكانت المعرفة إذا قدّمت هي المبتدأ لتقدمها" [1] ،"إذ ليس كل مبتدأ في اللفظ وإن كان معرفة بمبتدأ في المعنى" [2] .
ومعنى البيت الشعري على جعل (بني البنين) بنينًا، لا على جعل البنين (بني البنين) ، ولو ذهبنا إلى أثر الموقع في الوظيفة عندما يكون المبتدأ والخبر معرفتين كما ذهب إلى ذلك (صاحب شرح المفصل) الذي يشير إلى ذلك بقوله:"لم يجز تقديم الخبر لأنه مما يشكل ويلتبس إذ كل واحد منهما يجوز أن يكون خبرًا ومخبرًا عنه فأيهما قدمت كان المبتدأ" [3] ، لكان معنى البيت على غير ما أراده الشاعر.
أما التركيب الفعلي فإذا بني الفعل على الاسم أصبح للموقع أثر في تحديد نوع التركيب النحوي واختلت وظيفة الفاعلية، وصار التركيب (اسميًا مركبًا) يتكون من المبتدأ (الاسم) والخبر (الفعل والفاعل) وهو ما يفهم من كلام سيبويه بقوله:"فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: (زيد ضربته) ، فلزمته الهاء، وإنما تريد بقولك مبني عليه الفعل أنه في موضع (منطلق) إذا قلت: (عبد الله منطلق) فهو في موضع هذا الذي بني على الأول وارتفع به، فإنّما قلت: (عبد الله) فنسبته له ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [4] " [5] .
وقد يحدث العكس فيبنى الاسم على الفعل وعندها يكون التركيب فعليًا حتى لو تقدم عليه اسم كما في قولنا: (زيدًا ضربت) ، لأن الاسم في مثل هذا التركيب محمول على الفعل والفعل عمل في الاسم فنصبه على المفعولية [6] .
لذلك فالترتيب في اجزاء التركيب النحوي لا يخضع للمعيار الشكلي أو للموقع الوظيفي، فإذا كان تركيبًا اسميًا تقدم فيه الخبر النكرة، وهو ما أطلق عليه عبد القاهر الجرجاني، (تقديم على نيّة التأخير) وفيه لا يتغير الوصف الإعرابي للكلمة التي خالفت الترتيب اللفظي (الأصلي) المتفق عليه فيقر المقدم"على حكمه الذي كان عليه"
(1) دلائل الإعجاز: 344، وينظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 504.
(2) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن: 227، وينظر: دلائل الإعجاز: 342.
(3) ابن يعيش 1/ 99.
(4) سورة فصلت، من الآية: 17.
(5) كتاب سيبويه: 1/ 81.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 80 - 81.