الصفحة 140 من 208

واستغنى عن ذكره أولًا، فتأخرت رتبته استغناءً عن ذكره"وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبدًا لطفًا ونبلًا" [1] ، وذلك يعد استجابة لحاجات المنشئ البارع الذي يستطيع أن يتحكم بالتراكيب على وفق الحالة التي يقتضيها سواء أكان القول شعرًا أم نثرًا وقد يقتضي الموقف عدولًا عن السياق النحوي المثالي من أجل تطابق التركيب مع الموقف.

والبلاغة العربية أولت أهميتها لمراعاة تطابق التركيب والموقف من خلال التعبير عن المعاني بحسب ما يقتضيه الحال، وأشار بعض المحدثين إلى مصطلح (الموقف) الذي طرحته الأسلوبية الحديثة فقال:"والموقف في علم الأسلوب يراعي المنشأ والجنس والسن والبيئة والمركز الاجتماعي والصفات الفردية للقائل كالحدة والهدوء والدعابة والتواضع" [2] .

لذلك كان مفهوم مطابقة الكلام لمقتضى الحال محتويًا كل هذه المفاهيم التي يراعيها الموقف.

ومن المواضع الأخرى للتطابق بين التركيب والموقف، (استعمال الهمزة في التركيب) والاغراض التي تؤديها مع اختلاف البنيات التركيبية والمعاني المترتبة على اختلاف هذهِ البنيات التي تستعمل سواء أكانت فعلًا أم اسمًا ونستدل على ذلك بالشواهد النحوية المختلفة ومن ذلك أداء الهمزة مع التركيب النحوي معاني (التقرير والانكار) ، ففي (التقرير) ، اذا ولي الهمزة (تركيب فعلي) يبدأ بالفعل، كقولنا: (أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ ) وقولنا: (أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ ) .

فعندما نبدأ بـ (الفعل) كان السؤال عن (الفعل) لأننا في جميع ذلك مترددين"في وجود الفعل وانتفائه مجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن" [3] وعندما نقول:

(أزيدًا ضربت؟ ) فنحن نعلم بصدور الضرب من المخاطب وانما التردد والشك في المفعول به (وهو متعلق الفعل) وهو (زيد) ، ومع ذلك فإن اختلاف الترتيب في التركيب الفعلي ينتج عنه أثر معنوي للمتلقي.

(1) دلائل الإعجاز: 175.

(2) مدخل إلى علم الأسلوب، شكري عيّاد: 47.

(3) دلائل الاعجاز: 139؛ وينظر: البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت