فتعبر عن أغراض المبدع وتسهم في إيصال فكرته إلى المتلقي وتحقق التطابق بين التركيب والموقف المقصود، قال امرؤ القيس:
فلو أنّ ما اسعى لادنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليل من المال [1]
فإنما رفع (قليل) بجعله فاعلًا للفعل (كفى) لأنه لم يجعل القليل مطلوبًا، وإنما كان المطلوب عنده الملك وجعل القليل كافيًا، ولو لم يُرد ذلك ونصب فسد المعنى [2] .
ويشير عبد القاهر الجرجاني إلى (التنازع) بقوله:"وهذا نوع منه آخر، اعلم أنّ هاهنا بابًا من الاضمار والحذف يسمى الإضمار على شريطة التفسير وذلك مثل قولهم: (أكرمني وأكرمت عبد الله) ، أردت: (أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله) ثم تركت ذكره في الأول استغناءً بذكره في الثاني" [3] ، وهي يلتقي بذلك مع رأي سيبويه في الاشتغال بقوله:"لا يظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بتفسيره" [4] .
فالاشتغال والتنازع إضمار لكن في الاشتغال إضمار (فعل) وفي التنازع إضمار (اسم) ، ويصف عبد القاهر (باب التنازع) بقوله:"إذا أنت طلبت الشيء من معدنه؛ من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة، ما لاتجده إلا من كلام الفحول، فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري:"
لو شئت لم تفسد سماحة (حاتم) ... كرمًا ولم تهدم مآثر (خالدٍ) [5]
والأصل لا محالة (لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها) ، ثم حذف ذلك من الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه ... فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله ... صرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجّه السمع وتعافه النفس" [6] ."
ومنه قوله تعالى: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [7] ، فهاهنا التقدير (آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا) وهنا كلا الفعلين يطلب المفعول فذكره بعد الفعل الثاني
(1) ديوان امرئ القيس: 39.
(2) ينظر: كتاب سيبويه، 1/ 79، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، 2/ 562.
(3) دلائل الإعجاز: 174.
(4) الكتاب، 1/ 81.
(5) ديوان البحتري، 1/ 508.
(6) دلائل الإعجاز: 174 - 175، وينظر: البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن: 246.
(7) سورة الكهف، من الآية: 96.