الصفحة 178 من 208

يقول:"أن ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الافادة، أزيد للافادة، وتجدك أنطق ماتكون اذا لم تنطق واتم مايكون بيانًا اذا لم تبنْ" [1] .

ورصد عبدالقاهر احيانًا سياقات الحذف، وذلك في مثل (ذكر الديار) ، اذ لاحظ معظم الشعراء القدامى يعتمدون الحذف اداة تعبيرية في تجسيد احساسهم ازاء هذه الديار، كقول الشاعر عمر بن ابي ربيعة:

إعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطللُ

ربع قواء اذاع المعصرات به ... وكلُّ حيران جارٍ ماؤه خضل [2]

أراد: (ذاك ربعُ قواء أو هو ربع) [3] ، ومثله قول الشاعر نفسه:

هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا

دار لمروة اذ اهلي واهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا [4]

كأنه قال: (تلك دارٌ لمروة) [5] .

وقال سيبويه محللًا البيتين السابقين:"فاذا رفعت فالذي في نفسك ما اظهرت، واذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت" [6] .

وكلام سيبويه هذا اشارة الى ارتباط الاسلوب بالمبدع ارتباطًا وثيقًا بوصفه أحد طرق التعبير عن النفس وتصوير مشاعرها وأفكارها، وهذا يعني أننا لانستطيع أن نعبر عن فكرة ما تعبيرًا مجردًا، لأن ذلك يجب أن يحتوي مجموعة من التفاعلات التي تشمل المقام والمقال والاسلوب والسياق المناسب لكل ذلك وبما يؤدي الى التطابق بين بنية التركيب النحوي والموقف المقصود [7] .

أي أننا نصبح امام ثلاث قيم يحدث من خلالها التقاء المقام والمقال والاسلوب وهي:

1 -قيمة مفهومية تتلازم مع منطق التعبير عن المعنى المقصود.

2 -قيمة تعبيرية تلقائية تقوم على نظام الواقع اللغوي وما يحتمله من بنيات تركيبية.

3 -قيمة جمالية تشير الى الخواص الابداعية وذلك في اعتمادها على حذف احد اركان التركيب النحوي ليتم استخراج الاثر الاسلوبي من خلال هذه الظاهرة [8] .

وهكذا ينبغي عندها أن يُراعى مقام الكلام ومايتصل بالموقف من عوامل أخرى تشمل السياق وكل ماله علاقة بحال المتكلم والموضوع والمخاطب مما يؤدي الى التفرد بالاسلوب عن غيره من الاساليب الاخرى وبما يؤدي الى التطابق بين التركيب والمعنى الذي يقصده المتكلم.

ثانيًا: الفضلة في بنية التركيب الفعلي (المفعول به) :

كثيرًا ما رددتُ أن الاسلوبية تدرس خواص التراكيب النحوية لانها تستعمل اللغة استعمالًا خاصًا بمستويين، النحوي (المعياري) والفني (الجمالي) .

والاسلوبية تبحث عن القيمة التعبيرية او الاثر الاسلوبي في بنية التراكيب النحوية وعندما نصل الى ذلك نكتفي بها، وهذا مايعرف في علم الاسلوب بـ (التحليل الاسلوبي) ، ومن هنا صارت تدرس مايقال بطريقة الوصف والتحليل [9] .

وتمثل بنية التركيب النحوي بمجموعة من علاقات الترابط القائمة بين العناصر اللغوية، أذ تشمل هذه العناصر ركني الاسناد المتمثلين بـ (المسند والمسند اليه) ، ثم يتسع هذا الترابط ليضم لواحق المسند والمسند اليه.

وهذا يؤكد تساوي اجزاء بنية التركيب النحوي عند القيام بتحليله ووصفه، لأن البحث عن الأثر الاسلوبي لايعتمد ركني الاسناد في التركيب (المسند والمسند اليه) ،

(1) دلائل الاعجاز: 162؛ وينظر: البلاغة العربية، قراءة جديدة: 222.

(2) البيتان لم يذكرا في ديوانه، ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 281؛ والخصائص: 1/ 296 و3/ 226؛ ودلائل الاعجاز: 162؛ ويروى الشطر الأول من دلائل الإعجاز:

(اعتاد قلبك من ليلى عوائده)

(3) ينظر: دلائل الاعجاز: 162.

(4) الديوان: 497

(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 163.

(6) الكتاب: 1/ 282.

(7) ينظر: الاسس النفسية لاساليب البلاغة العربية: 3؛ والبلاغة العربية، قراءة اخرى: 223.

(8) ينظر: الاسلوب والاسلوبية، بيير جيرو: 33؛ واللغة والابداع، مبادئ علم الاسلوب العربي: 61؛ والبلاغة العربية، قراءة أخرى: 223 و224؛ واللغة والابداع الادبي: 22.

(9) ينظر: اللغة والابداع الادبي: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت