الصفحة 181 من 208

خلال تقديم (المفعول به) الذي وقف عنده سيبويه اولًا بناءً على فكرة العناية والاهتمام بالمقدم، وتابعه ابن جني في عد تقديم (المفعول به) ذروة العناية والاهتمام به وان ذلك مرحلة تتعدى مجرد التقديم المكاني له على موضعه المعياري في بنية التركيب النحوي كما أنه قد اتخذ من اسلوب التقديم اصلا يقيس عليه الحالات الاسلوبية الاخرى، من ذلك قوله في الغرض من تقديم المفعول به:"ولأجل ذلك قالوا: (زيد ضربته) فقدموا المفعول، لأن الغرض هنا ليس بذكر الفاعل وانما هو ذكر المفعول فقدموه عنايةً بذكره ثم لم يقنع ذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة ... فرفعوه بالابتداء" [1] .

وواضح من حديث ابن جني أنه لم يغفل عن منحى العدول عن الاصل المعياري المعترف به المتمثل هنا في أسلوب تقديم المفعول به، وأوضح أيضًا الربط عنده بين العدول وبين عدد الاغراض والمقاصد التي استهدف تحقيقها، ومن ابرزها واقدمها فكرة العناية والاهتمام بالمقدم [2] ، وهي التي ركز عليها سيبويه، وصرح بها عبدالقاهر الجرجاني الذي استدرك"على اللغويين العرب لأنهم لم يستفيدوا من مبدأ جيد وصفه سيبويه، مؤدّاه ربط الكلام بمقام استعماله" [3] ، وذلك من خلال طرحه لفكرة تقديم (المفعول به) لغرض العناية والاهتمام [4] .

وكان لعبد القاهر الجرجاني فضل السبق في ربط هذه الفاعلية الاسلوبية بالمتكلم وبصياغة التركيب والمتلقي ... ويتم ذلك عن طريق حركة اللفظة المحورية" [5] في التركيب النحوي وخروجها عن البنية الاصلية في (المستوى النحوي) ، ومن هنا يأتي التقديم والتأخير ليمثل سمة فنية بارزة في الكلام، لأنه"يكثف المستوى الجمالي للتعبير عن طريق خلق بنية تتداخل فيها العلاقات وتتبادل فيها التفاعلات بفنية تعتمد قيمتها من النحو الابداعي" [6] ."

(1) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والايضاح عنها: 1/ 362.

(2) ينظر: نظرية اللغة في النقد العربي: 220.

(3) عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني: 238.

(4) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 34 و 80.

(5) علم اللغة العام (الاصوات) ، الدكتور كمال محمد بشر: 216.

(6) البلاغة والاسلوبية: 248؛ وينظر: اسلوبية الحوار في القرآن الكريم، رسول حمود حسن الدوري (اطروحة دكتوراه) : 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت