الصفحة 180 من 208

غنمهما)، لأن المقصود أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال (سقي) ومن المرأتين (ذود) وانهما قالتا (لايكون منا سقي حتى يصدر الرعاء) ، وأنه كان من موسى - عليه السلام - من بعد ذلك (سقي) ، وأما نوع المسقي فخارج عن الغرض [1] .

وحذف المفعول به في هذه المواضع يوحي بالاطلاق والشمول والتعميم المثري للمعنى فيصبح ذكر الفاعل موجهًا لهذا الاطلاق، فيكون الحذف في المواضع الاربعة"من الروعة والحسن ماوجدت ... لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة وان الغرض لايصح الا على تركه" [2] ، والغرض من التركيب هو (الفعل) لا المفعول به [3] .

والأثر الاسلوبي لحذف المفعول به يكون تبعًا لمقام ذلك التركيب لأن"اهتمام المتلقي في هذه الحالة سوف ينصب على الفعل نفسه وتأمله وادراك اثره من خلال العلاقة او العلاقات التي يقيمها المبدع بين هذا الفعل وما ارتبط به من الفاظ ومايستثيره من دلالات في نفس المتلقي في ضوء هذا السياق" [4] .

ب - تقديم المفعول به وتأخيره في التركيب النحوي:

ان ظاهرة تقديم الفضلة (المفعول به) على العمدة (الفاعل) أو على الفضلة في التركيب النحوي يمثل عدولًا عن (المستوى النحوي) لبنية التركيب النحوي لخلق بنية جديدة لها وقع جديد في نفس المتلقي [5] وهو يتلقى الكلمة المختارة من المبدع في بداية التركيب لتمثل مرحلة اتصال أولي بينه وبين المعنى الذي يتكامل من ارتباطه بالمعاني الأخرى للنص والحاصلة من ارتباط المتقدم بالمتأخر وهو ارتباط يثري فاعلية الكلمة المتقدمة ويدعم نماء الفكرة ولاسيما عندما تتنوع وتتعدد الارتباطات بين التراكيب على مستوى النص كله، فتتشكل بنيته ذات القوة التعبيرية من خلال العلاقات الثرية البكر التي تحقق الغاية الاسلوبية لبنية النص [6] .

فالتقديم والتأخير في بنية التركيب يمنحه سمة الحركية في نقل اللغة من مستواها النحوي الى المستوى الابداعي، ومثال ذلك قوله تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} [7] ،

اذ ليس بخافٍ أن لتقديم المفعول به (شركاء) حسنًا وروعة ومأخذًا من القلوب، وذلك لأنه اصبح بتقديم كلمة (شركاء) نقل بنية التركيب من (المستوى النحوي) الى (المستوى الابداعي) فلو تأخر على وفق القاعدة النحوية واصبحت بنيته في غير القرآن (وجعلوا الجن شركاء لله) ، صار التركيب كمن ينقل عن"الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر الى الشيء الغفل الذي ... لاتصير النفس به الى حاصل" [8] .

فلو جاء (المفعول به) على اصله من التأخير لاصبح الكلام لايفيد سوى الاخبار عنهم بـ (أنهم عبدوا الجن مع عبادتهم لله) ويكون الكلام مخصوصًا غير مطلق، بخلاف التقديم ومن ثم نقل التركيب من المستوى النحوي الى المستوى الابداعي.

وهذا التقديم في التركيب يشير الى فائدة الزيادة في التوبيخ والسعة في الانكار على من اتخذ مع الله شريكًا من الجن أو من غيرهم، إذ يفيد الكلام انكار الشرك مطلقًا [9] .

فالسمة الاسلوبية البارزة لتقديم المفعول به (شركاء) في الآية هي نفي أن يكون الجن شركاء لله.

ومن الصواب أن نقول أن مجرد المخالفة في بنية التركيب النحوي المعيارية ينبيء عن غرض ما"وان هذا الغرض قد يكون توجيه التفات السامع الى كلمة من الكلمات عن طريق ابراز هذه الكلمة ابرازًا يتحقق عنه تأثير ما" [10] .

فكان تقديم كلمة (شركاء) في التركيب النحوي قد أوجز المعنى وكثفه"من غير أن يزاد في اللفظ" [11] ، وذلك تفسير ذكي لفائدة التقاء (المقام والمقال والاسلوب) ، من

(1) ينظر: دلائل الاعجاز: 173.

(2) ينظر: دلائل الاعجاز: 173.

(3) ينظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: 3/ 170؛ وتفسير التحرير والتنوير: 2/ 99.

(4) في البنية والدلالة: 124.

(5) ينظر: الجملة العربية تأليفها وأقسامها: 7.

(6) ينظر: في البنية والدلالة: 135.

(7) سورة الانعام، من الآية: 100.

(8) دلائل الاعجاز: 276.

(9) ينظر: دلائل الاعجاز: 277 - 278؛ والايضاح في علوم البلاغة: 70؛ والتبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن: 106.

(10) نظرية اللغة في النقد العربي: 213.

(11) دلائل الاعجاز: 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت