وفائدة لاتكون في الباقي" [1] ، وحين نكتفي بالاعراب تبدو لنا هذه التراكيب متساوية في حين انها تختلف في مدلولاتها المعنوية اختلافا كبيرا وهو ناتج عن مواضع كلماتها او تعريفها وان دلت على معنى الاخبار او الابلاغ الذي يعد المعنى الاول لالفاظها فعندما تقول: (زيد منطلق) كان الكلام مع من لم يعلم ان انطلاقا كان لامن زيد ولا من غيره، واذا قلنا: (زيد المنطلق) كان الكلام مع من عرف أن انطلاقا كان، أما من زيد او من غيره فنحن نخبره أنه كان من زيد" [2] ، والكلام نفسه حينما يكون التركيب فعليًا. ففي قولنا: (ذهب زيد) ، و (يضرب عمرو زيدًا) و (ذهب عبد الله الذهاب الشديد) كان في التراكيب استدلال على وقوع الحدث وفيها بيان مامضى ومالم يمض منه. [3]
ويمكننا من خلال ما مر أن نفهم أن لكل تركيب بنية حيادية يشترك بها مع عدد آخر من التراكيب النحوية وهذه البنية تعد في الاصل بنية اختيارية تحدد القيمة الموقعية لطرفي ذلك التركيب سواء أكان اسميًا أم فعليًا وقد يخضع التركيب النحوي لطائفة من القوانين التحويلية فيقدم موقعا على آخر او يحذف هذا وينفى ذاك او يبنى التركيب للمفعول (المجهول) [4] ، ويجب ان تكون هذه التحويلات خاضعة للنظام النحوي للغة والا حكم على التراكيب المتحققة منها بالضعف او عدم الصحة النحوية، وهو ماتشترك فيها التراكيب النحوية في كلا طريقي التعبير على معانيها ولكن عندما نبحث الجانب الابلاغي او الاخباري فنحن لايعنينا الا المعنى الاخباري الذي نفهمه من بنية التركيب على الوضع الاصلي وهو المعنى الاول لان الهدف من تلك البنية الابلاغ والافهام في معلومة لم يعلمها المخاطب لذلك تكون تحت باب المستقيم القبيح او الضعيف القبيح او قبيح او مستكره وغيرها من المصطلحات التي اشار اليها سيبويه في مواضع كثيرة تناثرت على صفحات كثيرة من كتابه نحو قوله: (قد زيدًا رأيت) ، (كي زيدًا يأتيك) [5] ، ووجه القبح في التركيبين على الرغم من الاستقامة في الاسناد هو دخول (قد، كي) على الاسم وهما تختصان بالفعل، وقوله:"وزعم الخليل (رحمه الله) أنه يجوز ان يقول الرجل: (هذا رجل أخو زيد) اذا اردت أن تشبهه باخي زيد، وهذا قبيح ضعيف لايجوز الا في موضع الاضطرار ولو جاز هذا لقلت: (هذا قصير الطويل) ... لانك تنقض ما تكلمت به" [6] ، وقوله: (مررت برجل مثل رجل) و (مررت برجل اسد شدة وجرأة) ، عند ارادة القول (مثل الاسد) وهو ضعيف قبيح ايضا [7] ، وقوله:"لو قلت: (ضربته القائم) ، تريد (قائما) ، كان قبيحًا، ولو قلت (ضربتهم قائميهم) تريد: (قائمين) ، كان قبيحًا" [8] [9] واذا أعدنا النظر الى ماسبق من الامثلة او الى ما اطلعنا عليه بين ثنايا صفحات كتاب سيبويه يبدو لنا ان اخضاع التراكيب النحوية الى مثالية اللغة لايكون هو آخر مايريده المتكلم للاخبار او الابلاغ، وانما يجب أن تكون خاضعة للثوابت النحوية، فالتراكيب الاخبارية وان كانت محدودة في امكاناتها التعبيرية لايمكن ان تكون تراكيبها خارج القبول النحوي لأن"النحو أحد المستويات الاساسية في الدرس اللغوي" [10] ، فـ"السبيل في كل شيء كان له مدخل في صحة تعلق الكلم بعضها ببعض لا ترى شيئًا من ذلك يعدو ان يكون حكمًا من احكام النحو" [11] ، والبنية النحوية هي محور طرق الافصاح عن المعنى التي يكون النحو عماد الدلالة فيها لانه يدرس طريق تأليف التراكيب النحوية مع تحديد المعاني النحوية من حيث المدلول والشكل للوحدات اللغوية التي يترتب عليه اختلافات في البنية تتوقف عليها عملية التركيب والتأليف المتنوعة وهو ما سماه عبد القاهر بـ (الفروق والوجوه على اختلاف العبارات) فهو لايرى كلامًا قد وصف بصحة نظم او فساده او وصف بمزية وفضل فيه
(1) دلائل الاعجاز: 185 والصفحات التي تليها؛ وينظر: كتاب سيبويه: 1/ 23.
(2) ينظر: دلائل الاعجاز: 185.
(3) وهي امثلة تناولها سيبويه على لزوم الفعل وتعديه باعتبار الفاظها واصل وضعها ودلالتها على المعنى الاول، ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 33 - 35.
(4) ينظر: مفهوم الجملة عند سيبويه، حسن عبدالغني الاسدي، (اطروحة دكتوراه) : 127 - 128.
(5) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 26.
(6) كتاب سيبويه: 1/ 361.
(7) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 434.
(8) المصدر نفسه: 1/ 377.
(9) (*) ... احصى الدكتور محمود سليمان ياقوت التراكيب غير الصحيحة نحويا في (الكتاب) فكان عددها (749) تركيبًا، ينظر: التراكيب غير الصحيحة نحويا في (الكتاب) لسيبويه: 77 - 110.
(10) التراكيب غير الصحيحة نحويا في (الكتاب) لسيبويه، دراسة لغوية: 58.
(11) دلائل الاعجاز: 51.