في حين عقب عبدالقاهر عليه في باب التقديم في الخبر المثبت فأشار الى أثر المعنى وفاعليته الاسلوبية (الابداعية) من تقديم الاسم على فعله وبين أن الشاعر لو قال: (تمزمزتها ويدعو الديك صاحبه) لم يكن شيئا [1] ، فكانت زاوية نظر كل من سيبويه وعبدالقاهر الى الشاهد نفسه مختلفة، فالاول أخذ منه الجانب المعياري الخاضع للثوابت النحوية ولم يبين الا ماطرأ على بنية التركيب النحوي من تغير في تذكير الشاعر للمؤنث ثم قال بجواز ذلك لان الكلمة المذكرة بمنزلة العاقل في حين نظر اليه عبدالقاهر من الجانب الابداعي في دلالة تقديم الاسم على فعله مما ينتج عنه الأثر الاسلوبي في اثبات الخبر بناء على التغيير الذي حصل في ترتيب بنية التركيب النحوي فكل تغيير في مواقع الكلمات في بنية التركيب يحقق فاعلية اسلوبية تجعل المخاطب اكثر التفاتا لاغراض المتكلم في الافصاح عن المعنى الذي اراده من نظمه للبيت غير متناسين أن بنية التركيب فيه قد خضعت للثوابت النحوية ولم تخرج عنها من حيث الصحة الاسنادية والاعرابية.
واختتم هذا المبحث والفصل كله بالقول إن بنية التركيب النحوي لايمكن أن توصف بالابداع الا بعد خضوعها لمعيارية اللغة وثوابتها وذلك مايعد نقطة انطلاق المبدع في جواز الخروج عن الثوابت في البنية الابداعية للتركيب النحوي فهو أولًا غير خارج عن قوانين الصحة النحوية ولكنه (أي التركيب النحوي) قد اكتسب فاعليته الاسلوبية من خلال خروجه عن المعيارية جوازًا وذلك بتغيير موضع الكلمة او تغيير بنيتها او تكرار صيغة معينة دون غيرها، وغير ذلك مما يمنح التركيب سمته الاسلوبية وهو ما يميّز طرائق التركيب في ايصال المعنى الابداعي وليس الاخباري لأن الاخبار له (فائدة نفعية) ، أما الابداع فله (سمة جمالية فنية) يثار من خلالها المخاطب فيكون تحصيل المعنى من معنى اللفظ لا من ظاهره وهو مانجده في مباحث المجاز واثرها الاسلوبي في ايصال المعنى بابلغ صورة بعدما تخضع لمقتضيات النحو وثوابته او وجه من وجوهه وذلك بضم بعض الكلمات الى بعضها الآخر ويكون بعضها بسبب بعض [2] ، وكذلك لايكون وجودها مصدر استحسان حتى تطابق اغراض المتكلم فيما يرمي اليه
(1) ينظر: دلائل الاعجاز: 156.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 116 - 121.