اتفق الفقهاء على أنه يشترط تقابض البدلين من المتصارفين في مجلس العقد قبل افتراقهما (1) . والأصل في ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح, مثلًا بمثل, سواءً بسواء, يدًا بيد" (2) , وغيره من الأدلة.
والافتراق الذي يفسد الصرف هو افتراق المتصارفين بأبدانهما عن مجلس العقد, كأن يذهب أحدهما إلى جهة وآخر إلى أخرى, أو يذهب أحدهما ويبقى آخر (3) , وأما إذا فارق أحدهما صاحبه مفارقة يسيرة, كأن يدخل في الحانوت ليأتي له بالدراهم منه, فللعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: ما يعد في العرف مفارقة, ولو كان يسيرًا, يمنع من صحة الصرف, وهذا مذهب الحنفية (4) , ومشهور من المذهب المالكي (5) , ولازم مذهب الشافعية (6) , والحنابلة (7) ؛ فهم يشترطون لصحة الصرف التقابض قبل التفرق, ويذكرون أن التفرق مرجعه إلى عرف الناس وعادتهم فيما يعدونه تفرقًا; لأن الشارع علق عليه حكمًا, ولم يبينه, فدل على أنه أراد ما يعرفه الناس, كالقبض (8) .
(1) نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك, الإجماع, ص (133) , وينظر: المبسوط, (14/5) , وبدائع الصنائع, (5/215) , والمدونة, (3/18) , والتاج والإكليل, (4/302) , والأم, (3/14) , والمجموع, (9/505) , والمغني, ابن قدامة, (6/96) , والإنصاف, (5/41) .
(2) سبق تخريجه, ص (60) .
(3) ينظر: بدائع الصنائع, (5/215) .
(4) ينظر: المبسوط, (14/5) , وبدائع الصنائع, (5/215) , وتبيين الحقائق, (4/135) .
(5) ينظر: المدونة, (3/4) , والمنتقى, (4/263) , الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي, (3/29) .
(6) ينظر: الأم, (3/36) , والمجموع, (9/505) .
(7) ينظر: المغني, ابن قدامة, (6/96) , والإنصاف, (5/41) , وكشاف القناع, (3/264) .
(8) المغني, (6/12) , وقال ابن قدامة:"سئل أحمد عن تفرقة الأبدان؟ فقال: إذا أخذ هذا كذا, وهذا كذا, فقد تفرقًا..".