ثانيا: ما لا أثر له لكونه مستهلكًا في غيره؛ كإنفحة (1) الميتة التي يصنع بها الجبن، وقد أكل الصحابة من جبن فارس وأباح النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ روى ابن عباس رضي الله عنهما"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة رأى جبنة فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا طعام يصنع بأرض العجم! قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله وكلوا!" (2) . ولا ينعقد الجبن إلا بإنفحة, ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة وقد أباح عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أكله مع العلم أنه من صنع
(1) الإنفحة هي الكرش ولا تكون الإنفحة إلا لكل ذي كرش, وهو شيء يستخرج من بطنه, أصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن, ولا يسمى إنفحة إلا وهو رضيع فإذا رعى قيل استكرش أي صارت إنفحته كرشا. ينظر: تهذيب اللغة, (5/73) , أبواب (الحاء والنون) , ولسان العرب, (2/624) , مادة (ن ف ح) , وقيل في تعريف الإنفحة:"مادة بيضاء صفراوية في وعاء جلدي، يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرضيع، يوضع منها قليل في اللبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبنا، يسميها الناس في بعض البلدان مجبنة". الموسوعة الفقهية, (5/155) .
(2) سنن البيهقي الكبرى (10/6) ، باب أكل الجبن رقم: (19469) ، وله الشاهد من حديث ابن عمر, رضي الله عنهما, عند أبي داود, ص (420) , كتاب الأطعمة, باب أكل الجبن, رقم: (3819) , ونصه:"حدثنا يحيى بن موسى البلخي حدثنا إبراهيم بن عيينة عن عمرو بن منصور عن الشعبي عن ابن عمر قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع". وقال المنذري:"قال أبو حاتم الرازي: الشعبي لم يسمع من ابن عمر, وذكر غير واحد أنه سمع من ابن عمر رضي الله عنهما". عون المعبود, (8/333) , وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعليقًا على رواية أبي داود:"حسن الإسناد", ينظر: صحيح سنن أبي داود, محمد ناصر الدين الألباني, (2/451) .