استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأن العاقد يحتاج إلى التروي والفكر والتأمل فجعل ساعات المجلس كساعة واحدة إذ هو جامع للمتفرقات وبه يندفع الحرج, قال الله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (1) .
واستدل الشافعية بأن الفصل الطويل مما يشعر بإعراض كما في الفاتحة؛ حيث تجب الموالاة فيها, فإن سكت طويلًا عمدًا بحيث يزيد على سكتة الاستراحة استأنف القراءة لإشعار الطول بالإعراض عنها (2) , وكذلك العقد؛ لا ينعقد إذا طال الفصل بين الإيجاب والقبول لإشعار الطول بالإعراض (3) .
الترجيح:
الاختلاف في هذه المسألة راجع إلى اختلاف وجهات النظر في اعتبار الفصل الطويل مشعرًا بإعراض عن العقد, ويظهر أن الفصل الطويل لا يدل دائمًا على الإعراض حيث يحتاج العاقد إلى الفكر والتأمل, وبهذا يترجح قول الجمهور, والله أعلم.
وجه كون هذه المسألة تطبيقا للقاعدة:
لا فرق بين الفصل اليسير والطويل بين الإيجاب والقبول مع اتحاد المجلس عند الجمهور فلا تكون هذه المسألة من تطبيقات القاعدة على قولهم, بينما هي من تطبيقاتها على قول الشافعية لأنهم فرّقوا بين الفصل الطويل واليسير وصحّحوا العقد مع الفصل اليسير دون طويله؛ لأن اليسير مغتفر.
ضابط اليسير في هذه المسألة:
الفصل اليسير هو الذي لا يشعر بإعراض العاقد عن القبول (4) .
المطلب الثاني: اشتراط أن يكون البيع بالتعاطي في الأشياء اليسيرة.
تعريف التعاطي:
(1) سورة البقرة, الآية (185) , وينظر: البحر الرائق (5/326) .
(2) أسنى المطالب شرح روض الطالب, زكريا بن محمد الأنصاري, (1/151-152) .
(3) ينظر: حاشيتا قيلوبي وعميرة, (2/193) , ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج, (2/5) , وتحفة المحتاج بشرح المنهاج, الهيتمي, (4/224) , والمجموع شرح المهذب, (9/200) .
(4) حاشيتا قيلوبي وعميرة, (2/193) .