وقال ابن القيم منتصرًا لما ذهب إليه:"والقول الثاني - وهو الصواب المقطوع به, وهو عمل الناس في كل عصر ومصر -:جواز البيع بما ينقطع به السعر, وهو منصوص الإمام أحمد, واختاره شيخنا, وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة, يقول: لي أسوة بالناس آخذ بما يأخذ به غيري, قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه, بل هم واقعون فيه, وليس في كتاب الله, ولا سنة رسوله, ولا إجماع الأمة, ولا قول صاحب, ولا قياس صحيح ما يحرمه, وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل, وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال, والخباز والملاح, وقيم الحمام والمكاري, والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام; فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل; فيجوز, كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها; فهذا هو القياس الصحيح, ولا تقوم مصالح الناس إلا به" (1) .
الترجيح:
الذي يظهر, والله أعلم, هو رجحان قول الحنفية؛ أي جواز البيع بسعر السوق فيما لا يتفاوت, كالخبز واللحم, لأن عدم التفاوت يمنع النزاع ويجعل السعر كالمعروف, وهذا هو القول الوسط الذي يوفق بين أدلة القول الأول والثاني.
تطبيق القاعدة على هذه المسائل:
البيع الذي يكون المبيع أو الثمن فيه مجهولًا بيع الغرر؛ لاحتمال أن يباع الشيء بأكثر من قيمته أو بأقل, وبيع الغرر منهي عنه, ولكن بيع ما يكمن في الأرض, والبيع جزافًا والبيع بسعر السوق من أنواع البيوع التي ضبطها العلماء بالشروط لتصبح الجهالة فيها يسيرة, فإذا أصبحت يسيرة كانت مغتفرة تيسيرًا على الناس وتلبيةً لحاجاتهم.
ضابط اليسير في هذه المسائل:
الجهالة اليسيرة المغتفرة هي التي لا تفضي إلى المنازعة بين العاقدين (2) , والتي لا يمكن التحرز منها, ولو لم تغتفر لوقع الناس في حرج ومشقة.
(1) إعلام الموقعين عن رب العلمين, (2/357) .
(2) بدائع الصنائع, (5/156) .