ثبت عن ابن عمر, رضي الله عنهما, أنه كان إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع إليه (1) , وفي رواية أخرى:"كان إذا اشترى شيئًا مشى أذرعًا ليجب البيع ثم يرجع" (2) .
ويفهم من هاتين الروايتين أن الفرقة تقطع الخيار ولو كانت يسيرة؛ لأنه إذا مشى"هنية"أو"أذرعا"ثم رجع لم يفارق صاحبه إلا قليلًا, فلا يكون اليسير مغتفرًا إلاّ فيما هو أقلّ من ذلك, كأن يُجعل بين البائع والمشتري حاجز من ستر أو غيره فلا يكون مسقطًا للخيار وذلك لا يسمى تفرقًا (3) .
تطبيق القاعدة على هذه المسألة:
هذه المسألة ليست من تطبيقات القاعدة بناءً على ما سبق تقريره من أن المفارقة اليسيرة تقطع خيار المجلس ولا تغتفر, اللهم إلا فيما هو أقل من مشي هنية كجعل حاجز من ستر ونحوه بين البائع والمشتري, أو كأن يمشي المتعاقدان فيفصل بينهما شجرة أو مار آخر ونحو ذلك, والله أعلم.
المبحث الثاني: الجائحة اليسيرة وأثرها في ثبوت الخيار.
تعريف الجائحة:
الجائحة في اللغة: الشدة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة, وهي مأخوذة من الجوح بمعنى: الاستئصال, يقال: جاحتهم الجائحة واجتاحتهم, وجاح الله ماله وأجاحه بمعنى, أي أهلكه بالجائحة. وتكون بالبرَد يقع من السماء إذا عظم حجمه فكثر ضرره, وتكون بالبرْد أو الحر المفرطين حتى يفسد الثمر (4) .
(1) أخرجه البخاري, ص (397) , كتاب البيوع, باب كم يجوز الخيار, رقم: (2107) , ومسلم, ص (620) , كتاب البيوع, باب, ثبوت خيار المجلس للمتبايعين, رقم: (1531) , واللفظ له.
(2) الأمالي في آثار الصحابة, عبد الرزاق الصنعاني, ص (40) , رقم: (28) , ولم أعثر على هذه الرواية في غيره من الكتب المسندة, وذكره الشيرازي في المهذب, ينظر: المهذب مع المجموع, (9/205) .
(3) المغني, ابن قدامة, (6/12) , والمهذب مع المجموع, (9/205) .
(4) ينظر: لسان العرب, (2/431) , مادة (ج و ح) , ومختار الصحاح, ص (114) , والمعجم الوسيط, ص (145) .