ويقوي حجته كذلك بالأصول التي رسمها في البداية، ويطيل النفس في المسألة الواحدة حتى تبلغ الصفحات ذوات العدد ويعنف على المخالف خاصة المقلدين للأئمة لأنه يعتبرهم قد استبصروا الحق لكن أعماهم التقليد.
ولا يخفاك أن ابن حزم يحرم التقليد تحريمًا باتًّا ويرى أنه بدعة منكرة حدثت بعد القرون الفاضلة، ولذلك تراه لا يفتأ يشتد نكيره على المقلدة للأئمة رحمهم الله تعالى. (1)
ومما يجدر ذكره أن ابن حزم مات ولم يكمل"المحلى"فأكمله ولده أبو رافع الفضل، رحمه الله تعالى، وذلك من المجلد العاشر إلى آخر الكتاب، من المسألة رقم (2023) إلى (2308) .
قال جدي، حفظه الله تعالى، في ذكر طريقة ابن حزم:"وقد يذكره - الحديث- من طرق متعددة، وكلها مسندة، وقد يستدل بالإجماع، والإجماع عنده هو إجماع علماء كل عصر إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف. ويعني بالعلماء: المجتهدين الذين حفظت عنهم الفتيا..".
وقال، أمتع الله به:"لا يذكر فقهًا لأحمد إلا نادرًا جدًا، إذ أحمد عند الأندلسيين إمام في الحديث فقط، ومن ذلك كتاب الحافظ ابن عبد البر الأندلسي:"الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء"، وقد يذكر فقه من جاء بعد الثلاثة إلى منتصف القرن الخامس". (2)
قلت: والتحقيق أن أحمد إمام في الحديث والفقه معًا وإن كان غلب عليه الأثر لشدة تعلقه بآثار الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، وقد شهد له بالفقه والإمامة فيه شيخه الشافعي، رحمة الله عليهم أجمعين.
وممّا يجدر ذكره أن ابن حزم كان أديبًا شاعرًا من الطبقة الأولى، ويظهر ذلك من أسلوبه الماتع في مناقشته لأئمة العلم ومن مصطلحاته المنتقاة.
(1) - راجع كلامه في"الإحكام" (6/146) .
(2) - من"مقدمة المعجم" (ص 20) .