وكذلك اهتم ابن حزم في"المحلى"بذكر أقوال الأئمة الأربعة، وناقشهم بحجج قوية. قال جدي، سلّمه الله تعالى:"وقلّ أن تذكر فيه مسألة إلا وفيها من فقههم جميعًا، أو فقه واحد منهم أو اثنين".
قال: " ويمكن أن يجرد من"المحلى"مجلدان في فقه الأحناف والرد عليه، ، ومجلدان في فقه المالكية والرد عليه ومجلد في فقه الشافعي وداود بن علي وغيرهما والرد عليه."
أما فقه أحمد فليس في"المحلى"منه إلا قضايا محدودة، ومسائل محسوبة"."
قال:"وفي مناقشته فقه الثلاثة والرد عليه يكون ابن حزم قاسيًا عنيفًا مع الحنفية والمالكية، ويكون برًا لطيفًا مع الشافعية، وأما الظاهرية فهم عنده أبعد الناس عن التقليد، فمن قلد أحدًا ممن يدعى أنه منهم فليس منهم ولم يعصم أحدًا من الخطأ". (1)
قلت: وفي"المحلى"من فقه النساء شيء كثير في سائر الأبواب وقد لاحظت ملاحظة لم أقرأها في كتاب ذكرها قبلي - والله أعلم- أنه ما من مسألة اختلف فيها الفقهاء بين مشدد على المرأة وميسّر فإن ابن حزم يسلك سبيل التيسير، وعنده أن المرأة في الأحكام كالرجل إلا ما خصّه الدليل.
وهذه الملاحظة على سبيل الإجمال والأغلبية.
ويمكن أن أقول: إن العديد من المسائل التي يذكرها الكثير من المعاصرين المسلمين من العلماء والدعاة في حقوق المرأة والنص على التشديد عليها والعلاقة بينها وبين الرجل ومدى صلاحيتها، فإن لابن حزم في ذلك قصب السبق وكلامه فيه متين.
ولست صاحب هوى - إن شاء الله تعالى- لكن العديد من اختيارات ابن حزم أجدها قوية الحجة واضحة الدليل في هذا الباب. والله الموفق والهادي.
وأنظر إلى كثير من الفقهاء، خاصة المتأخرين منهم، فإنهم يلمح من كلامهم استنقاص المرأة والتحجير عليها مرة بحجة قصورها وأخرى بحجة سد الذرائع، وهذا ما لم أجده عند ابن حزم، بل الصالحات منهن عنده صالحات والفاسدات بحسب فسادهن، مثلهن في ذلك مثل الرجال. والله المؤيد.
(1) -"مقدمة المعجم" (ص 23) .