الصفحة 24 من 32

فها هو التاريخ قد دار دورته وأعاد نفسه من جديد، وها نحن نرى هذه العصابات المجاهدة تطوف في البلدان، تقاتل بيد وتبسط اليد الأخرى تعرضها على القبائل -هنا وهناك- وهي ترجو أن تجد من يبايعها ويجدد معها بنود هذه البيعة لمقارعة أعداء الله ونشر دينه ليظهر على الأديان كلها ولو كره الكافرون.

وقد رأينا استجابة العديد لهذه العصابات المقاتلة، رخّصوا أنفسهم وأزواجهم وأولادهم وأموالهم في سبيل نصرتهم وإيوائهم، بالرغم من المصاعب والآلام التي يلاقونها بسبب هذه الوقفة الأنصارية، واستحقوا بذلك أن يكونوا أنصار عصرهم بكل ما في هذه الكلمة من معاني وأبعاد.

فغاظوا أعداء الله ووقفوا لهم بالمرصاد، سراَ وعلانية، يرجون رحمة الله ويخشون عذابه، وهم يدركون أنهم يقومون بأعظم القربات إلى الله تعالى، في زمن قلّ فيه النصير، وقوي فيه العدو وكثر، فلله درُّهم من أنصار جدد، ابتعثهم الله ليجسدوا هذه البيعة الخالدة المتجددة، فطوبى لهم وحسن مآب.

بيعة لا نبغي وراءها إلا الجنة

كل هذه البنود والالتزامات والتضحيات يقوم بها المؤمن ويجسدها خلال بيعته وهو لا يرجو أي جزاء دنيوي، فالمؤمن متعلق بربه ويعتبر هذه الدنيا دار ممر، يتزود بها لآخرته، وهو حينما يُقدم على هذه البيعة يعلم يقينًا أنه سيلاقي الصعاب والمتاعب، وهو موقن بأن الله ناصره وحاميه، ولكي يحافظ على نقاء هذه البيعة وصفائها، تراه يجرد قلبه من كل الأطماع المادية والدنيوية، سوى طمعه في رحمة ربه وابتغاء جنته.

كما أنه يجب على القيادات في التجمعات المؤمنة أن يضعوا الجنود والأنصار في المقام الصحيح، ويبينوا لهم تبعات هذه البيعة، فلا يطمعوهم في أجر دنيوي زهيد أو منصب زائل، بل عليهم أن يربطوهم بربهم وحده، فهذه البيعة إنما تتم بينهم وبينه، فلينتظروا الأجر من عنده سبحانه وتعالى {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]

كما أن ربط المجاهد بربه وابتغاء جنته، من شأنه أن يضمن عدم انحراف هذا لمجاهد، لأن الأجر الذي يبتغيه لن يجده عند أي جهة من الجهات، كما وأنه يحفزه على التضحية بما هو أرخص لنيل الأغلى، وكل شيء دون الجنة فهو رخيص حتى وإن كانت النفس التي بين جنبيك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت