وأبلغُ من هذا أنَّ منهم من يعلم ويعتقد أنَّ مكتب العمل والعمَّال مثلًا، أو المحكمة التجارية في بلاد الحرمين أو نظيراتها في سائر البلاد من الكفر الأكبر، وأنَّ التحاكم إليها كفرٌ مستبينٌ وشركٌ لا مرية فيه، ثمَّ مع هذا يُسأل عن حكومة البلد الذي هو فيه فيثني عليهم بما ليسوا أهله، ويصفهم بأنَّهم يحكمون بما أنزل الله في الصغير والكبير، ويكذِّب من نسب إليهم الحكم بغير ما أنزل الله ويصفهم بأشنع الأوصاف، وأقلُّ نتيجةٍ لكلامه أن يذهب المتحاكم إلى الطاغوت ولا يجد حرجًا في ارتكابه هذا الكفر بعد أن ظنَّ أنَّه من الحكم بالشريعة، فإذا هذا المُفتي قد دلَّه على هذا الشرك ودعاه إليه وأبعد عن وهْمه أنَّه شرك، وأيُّ فرق بين هذا ومن يقعد عند القبور المعبودة من دون الله ثم يقول للناس: إنَّ التوسل بالصالحين لا بأس به، ومن قال لكم إنَّ في هذه البلدة شركٌ فهو كذَّاب، ويعني بالتوسل بالصالحين سؤال الله بهم كأن يقول: اللهم ارحمني بفلانٍ، لا دعاءهم الذي يقع ويُقال فيه: المدَدَ يا فلان، وإن كان الناس يفهمون منه ما هم فيه من الدعاءِ، وهذا العالم السَّوء أولى بالإمامة في الكفر من الحاكم الَّذي فعله ودعا إليه.