الثالث: السكوت المطلق عن بيان الباطل، ولو لم يكن معه إظهار مشايعةٍ أو مدحٌ للطواغيت، وهذا السكوت هو أدنى المراتب الثالث المذكورة في العالم، وهو أغلظ من كثير من كبائر الذنوب وفيه جاء الوعيد العظيم باللعن، ولو نظرت في الناس وجدت لهم في سكوت أهل العلم بابًا من أبواب الضلالة، وذلك لحسنهم الظنَّ فيهم فيقولون: لو كان حرامًا ما سكت عنه فلان، فكيف لو كان كفرًا؟ وهذا مزلقٌ يقع فيه من يُقدِّس هؤلاء العلماء حتَّى يعتقد الناس استحالة وقوعهم في شيء من الذنوب وخاصة الكتمان فيجعلون سكوتهم وتركهم دليلًا وكل أفعالهم شريعةً، ويقع فيه من يتوهم أنَّه يسلم بسكوته بعد أن تصدَّر للناس وتعلَّقت أنظارهم به، واعتمدوا في إقدامهم وإحجامهم على فعله وتركه، وأعظم من يجني على هؤلاء العلماء والمُعظَّمين هو من يُعظِّمهم ويحمل الناس على تقليدهم ليحملوا أوزارَهم وأوزارًا مع أوزارهم، ثمَّ يزيد بعضهم على ذلك فيعيب من لم يقلِّد معظَّمه ويشنأ من خالفَ أقوالَه ولم يُقلِّده في الدقيق والجليل من أموره وخاصَّةً ما أخطأ فيه وضلَّ ضلالًا بعيدًا.
ورابع هذه المسالك يقع في العبَّاد أكثر من وقوعه في أهل العلم، وهو اتّساء الناس بهم واقتداؤهم بأفعالهم، فيفعلون الفعل لا يدعون إليه ولا يأمرون به، ويتّبعهم الناس فيه لظنِّهم أنَّه لا يكون إلاَّ دينًا.
وأكثر ما يكون ذلك في حقِّ العابد عن جهلٍ بالشرع، فيرتكب الأمور المنكرة يجهل أنَّها من المُنكرات ويتابعه الناس عليها، وقد يُقلِّد بعض علماء السوء ويرى أنَّه متقرب إلى الله بمحبتهم وتعظيمهم فيأخذ الناس بفعله وإن كانوا لو رأوه من عالم السوء نبذوه واستهجنوه وتركوه.