والقول الرابع: أنَّ أهل هذه الآية لم يُقاتَلوا وقت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، صحَّ عن حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّه قال: لم يُقاتَل أهلُ هذه الآيةِ بعدُ. أخرجه ابن جرير وابن أبي شيبة، وظاهره أنَّ الآية لم تنزل في أناس موجودين وقت نزولها بل نزلت فيمن يأتي بعد.
وأما مقالات أهل البدع؛ فقد قالت الخوارج إنَّ أئمة الكفر علي والحسن والحسين، وقالت الرافضة هم طلحة والزبير وأبو بكر وعمر ومعاوية، ذكر ذلك عن الطائفتين أبو العباس ابن تيمية في منهاج السنة النبوية وهما قولان باطلان.
فأمَّا قول الخوارج فالأظهر أنَّه ليس على جهة بيان سبب النزول وإنَّما هو تفسير للآية وتنزيلٌ لها على بعض من يرون عمومها لهم، وأمَّا قول الرافضة فهو من جنس تأويلاتهم الفاسدة وكذبهم على الله وتلاعبهم بكتابه فيجعلون الآية نزلت فيمن ذكروا من الصحابة تحذيرًا منهم وبيانًا لما يزعمون من كفرهم رضوان الله عليهم ولعنة الله على شانئهم.
والقول الأوَّل في الآية: يُقوِّيه أنَّها نزلت بعد مقتل صناديد قريش في بدر، وأسلم من بقي منهم بعد الفتح، فلم يبق ممن يستقبل المُسلمون قتالَه إلاَّ الفرس والروم، وقد يعضده ما روى ابن أبي حاتم وابن عساكر وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلًا أنه كان في عهد أبي بكر إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال:"إنكم ستجدون قوما مجوفةً رؤوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فو الله لأن أقتل رجلا منهم أحبُّ إليَّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) "، والقوم الذين يعنيهم هم الشمامسة وهم كالقساوسة إلاَّ أنَّهم يشهدون الحرب ويحرِّضون على القِتال.