والقول الرابع: قد يُستأنس له بأنَّ صورة ما في الآية من معاهدة قومٍ للمسلمين ثمَّ نكثهم العهد وطعنهم في الدين لم تقع بعد نزول سورة التوبة، فقد عاهد اليهود وقريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ نكثوا قبل نزول سورة التوبة، ولم يُعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا إلاَّ من عاهدوهم عند المسجد الحرام ومن أمهلهم الله أربعة أشهر وعشرًا ولم يُذكر عنهم نكث للعهد، ثم أبو بكر رضي الله عنه لم يُعاهد أحدًا وإنَّما ارتدَّت قبائل من العرب فقاتلها، ولم يشتهر عن عمر معاهدة قومٍ ممن قاتلهم إلاَّ أهل البلاد التي فُتحت صلحًا ونزلوا على حكم المسلمين، وكذلك عثمان ومات حُذيفة في أول خلافة عليٍّ رضي الله عنهم أجمعين.
وأصحُّ الأقوال والله أعلم هو القول بأنَّ الآية نزلت في مشركي قريشٍ عمومًا فإنَّ فواتح سورة التوبة كلَّها فيهم وسياق الآية دليل على ذلك، وفي الآيات الدلالة الواضحة على الثأر بينهم وبين المسلمين في قوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) ، ومن الدليل على نزول الآية في قريشٍ قوله تعالى في الآية التي تليها: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، فالَّذين همُّوا بإخراج الرسول وبدؤوا أوَّل مرة هم مشركو قريشٍ أمَّا من عداهم كالروم ونحوهم فلم يكن لهم في إخراج الرسول أو الهمِّ بذلك سابقةٌ.