الصفحة 45 من 79

وقد يُحتجُّ بأنَّ اليمين بمعنى الأليَّة داخلةٌ في عموم العهود والمواثيق كما ذكر ابن القيم وغير واحد، وهذا حقٌّ لكنَّ دخولها من جهة المعنى اللغوي غير معتبر هنا إِذِ المرادُ صفةٌ خاصّةٌ من أفراد المعنى اللغوي، ودخولها في الحقيقة الشرعيَّة العامَّة إذا قيل: إنَّ اليمين في معناها العامِّ هي العقد بين العبد وربه أو بين العبد والخلق، هو دخولٌ غير معتبرٍ أيضًا لأنَّ المعنى المراد من الأيمان في هذه الآية هو الحقيقة الشرعية الخاصة التي يُراد بها العهود بين الناس بقرينة ما قبلها من آياتٍ كلُّها في العهود، ويؤكِّد ذلك قوله في أول هذه الآية: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) ، ودخولها من جهة القياس لا يستقيم لأنَّه قياس للعهد مع الله على العهد مع المخلوقين وغير لازمٍ إن كان المشرك لا عهد له مع المخلوق أن يُقال إنَّه لا عهد له مع الله، فإنَّ المخلوقين مأمورون بالظاهر ويظهر لهم أنَّ هذا الرجل لا يمين له لكثرة نقضه العهود، أمَّا الخالق فإنَّه يؤاخذ المسلم والكافر بكل صغيرة وكبيرةٍ حتَّى خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الصحيح من يمينه وغير الصحيح.

ولو سُلِّم هذا كلُّه فليس في الآية أنَّها لا تلزمهم ويُؤاخذون بها بل فيها أنَّهم لا يلتزمونها كما تقول: فلانٌ لا دين له، وليس المعنى أنَّه لا يُسأل عن الدين بل أنَّه لا يلتزم دينًا لفجوره وإلحاده، وكذا إن قيل: فلان لا عهد له أو لا يمين له فالمراد بيان عدم التزامه لها لئلاَّ يُغترَّ بها،، وعهد هؤلاء مع المخلوقين إنَّما بطل اعتباره وتصحيحه لا محاسبته على نقضه، فلا يُستدلُّ به على قولهم؛ لأنَّ الأصل المقيس عليه يُحاسب على نقضه فالفرع كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت