ولو تُنزِّل فالآية في أئمَّة الكفر ولا تعمُّ سائر أهل الكفر كما هو ظاهرٌ، ولا قائل بهذا الخصوص: أنَّ الإمام في الكفر خاصَّةً هو الذي ليس له يمين أليَّة، بل قولهم يجعل الحكم عامًّا لكل كافر، ولا دليل على العموم، فثبت بذلك أن لا دلالة في الآية على هذا القول البتَّة، ولو دلَّت ما دلَّت على التفصيل الذي ذهبوا إليه بل يلزمهم تخصيصه بأئمة الكفر دون سائر الكافرين.
وقوله تعالى (وَإِنْ نَكَثُوا) شرطٌ جوابه (فَقَاتِلُوا) ، وعقَّب الشرط بالواو على الشرط السابق له، وهو قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) للقسمةِ، فبعد أن ذكر الحال الأولى للمعاهدين في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) ، وفي قوله: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) ، ذكر الحال الثانية وهي أن ينتهي عهدهم قبل مدَّته، وذلك يكون بدخولهم الإسلام ودوام العصمة لهم بالإسلام، أو بنكثهم العهد وخروجهم عن العصمة التي ثبتت لهم بها، فهما انتقالان عن حال العهد إمَّا إلى العصمة الكاملة وإمَّا إلى إباحة الدم والمال.
وقد ذكر سبحانه في الأمر الأوَّل الصورة العامة وهي دخولهم في الدين والتزامهم أحكامه، وذكر في الأمر الثاني صورةً خاصَّةً وهي النكث الذي يُصاحبه طعنٌ في الدين، واستغنى عن القسم الثاني من أقسام نقض العهد وهو النقض المجرَّد عن الطعن في الدين لأنَّ مقتضاه معلومٌ بداهة وهو الرجوع إلى ما كانوا عليه قبل العهد الذي نكثوه، وهو ما بيَّنه سبحانه في مطلع السورة إلى هذه الآيات؛ ففي ذكر هذه الصورة الخاصَّة من نقض العهد بيان حكمها الخاصِّ كما يأتي تفصيله إن شاء الله، وفي ترك الصورة الأخرى الاكتفاء بحكمها العامِّ الَّذي سبقَ في الآيات تفصيله، وهو الحكم في كل مشركٍ لا عهد له.