وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) يحتمل الحال؛ فيكون المعنى: من بعد حال عهدهم؛ إذ المشركون لهم حالان حال العهد وحال الحرب، فيكون كقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) ؛ فنكث اليمين بعد حال العهد، كالكفر بعد حال الإيمان، وكفر المرتدِّين انتهى به إيمانهم، كما أنَّ نكث الناكثين انتهى به عهدهم، وعلى هذا الاحتمال تكون العبارة جاءت لتوكيد انتهاء عهودهم وبيان انفصال حالهم بعد أن نكثوا عن حال العهد التي كانوا فيها قبل النكث.
ويحتمل الفعل؛ فيكون المعنى من بعد أن عاهدوكم، فيكون على جهة التغليظ والتشنيع عليهم بما فعلوا كما قال تعالى: (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) ، وكلا الاحتمالين صحيحٌ من جهة اللُّغة مستقيمٌ في سياق الآيات، وإن كان الثاني أرجحَ والله أعلم لأنَّ هذا الوصفَ جاءَ تمهيدًا للمنع من تأمينهم والأمر بقتالهم مطلقًا على ما يأتي ذكره إن شاء الله، فناسبه التغليظ بذكر ما فعلوه من عقد الأيمان ثمَّ نقضها، وهو أقرب من التغليظ بذكر حال العهد التي ينقضونها وينتقلون إليها، كما تقول: إنَّهم يُعطون الأيمانَ ثم ينقضونها؛ فلا تعطهم يمينًا أبدًا وقاتِلْهم حتى ينتهوا عمَّا هم عليه، فهذا أبلغ من أن تقول: إنَّهم ينقضون الأيمان بعد حال العهد؛ فلا تعطهم يمينًا وقاتلهم حتَّى ينتهوا.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الحكم المذكور في الآية والآتي تفصيلُه معلَّق بنقض العهد سواء كان معه طعنٌ أو لا، وممن قال بذلك أبو محمد ابن حزم، فقال في المحلى:"وأمَّا بعد نقض الذمة فليس له إلاَّ القتل أو الإسلام فقط، لقول الله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) ؛ فافترض الله تعالى قتالهم بعد نكث أيمانهم من بعد عهدهم حتَّى ينتهوا".