ومنها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) ، وأعظم المحادَّة السبُّ لوجوه كثيرة، فإذا عُلم أنَّ حكم المحادِّ أن يكون في الأذلِّين والأذلُّ ليس له عهدٌ ولا ذمَّة بدليل قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) ، فالذِّلة المضروبة عليهم تزول بحبل الله وحبل الناس وهو العهد، إذا علم ذلك فالأذلُّون لا يمكن أن يكون لهم حبل من الناس، وواجبٌ علينا أن نُنزل على من حادَّ الله ورسوله حكم الأذلِّين، وقد ذكر هذا الوجه أبو العباس ابن تيمية وأطال في تقريره واستدلَّ بأدلَّةٍ بيّنةٍ على كون الشتم من المحادَّة.
ومنها أنَّ الله قال في الآيات: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) ، ومعلومٌ أنَّ من طعن في ديننا وهو محتاج إلى العهد ليحقن دمه لم يكن ليرقب فينا إلاًّ ولا ذمَّةً لو كان ظاهرًا عزيزًا.
واستدلَّ أبو العبَّاس بأدلَّة كثيرة على هذه المسألة وأطال فيها في الصارم المسلول، وبعض الأدلة التي ذكرها خاصٌّ بأهل الذمة دون المعاهدين والمستأمنين، كاستدلاله بلزوم الصغار وألاَّ أشدَّ منافاةً للصغار من إظهار سب ديننا وشتم نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنَّ قتالهم واجب إلى غايةٍ وهي الجزية مع الصغار، فمهما لم تكن الغاية لم يسقط القتال، وبعضها تقدَّم عند الكلام على الإمامة في الكفر.