ومن الأدلَّة قتل النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف لعنه الله، وقد كان ذلك بعد العهد لكنَّه لمَّا آذى الله ورسوله انتقض عهده، وقد استدلَّ الشافعيُّ بذلك وقال إنَّ أهل السير مجمعون على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل المدينة عاهد اليهود، وأطال أبو العباس ابن تيمية في الاستدلال لذلك وإثبات أنَّ العهد متقدِّمٌ على قتل كعب بن الأشرف، وذكر كلامً متينًا في المسألة، واستدلَّ أيضًا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع ابن أبي الحُقيق وهو كقتل ابن الأشرف.
ومن الأدلَّة التي استدلَّ بها أبو العباس أمرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بقتل الجرادتين اللتين كانتا تُغنِّيان هجاءه صلى الله عليه وسلم، وقتل النساء محرَّم في الأصل، فإذا كان هجاؤه صلى الله عليه وسلم يُبيح قتل المرأة الحربية التي لا عهد بينها وبينه؛ فإنَّ إباحة قتل المعاهد بذلك آكد إذ هو من أهل الحرب أصلًا، وبيننا وبينه ذمَّةٌ تمنع الطعن في ديننا، وفي هذا دليلٌ على انتقاض عهود المشركين بالطعن في الدين، قال ابن تيمية: حديث القينتين مما اتفق عليه علماء السير واستفاض نقله استفاضة يُستغنى بها عن رواية الواحد.
قلت: وقد يُستأنس لذلك بالنصوص الآمرة بقتال المعتدين، والعدوان إذا كان بالقتال اندفع بالقتال أو بانتهائهم دون قتال، وإن كان بالطعن في الدين فإنَّ معرَّته ومضرَّته لا تزول إلاَّ بقتل فاعله (على ما قرر ابن تيمية في ساب الرسول خاصة وهو متوجه في كل طاعن في الدين) ، فيجب دفع العدوان بما يندفع به أيًّا كانَ؛ ففي هذا القدر ثبوت انتقاض عهودهم بالطعن في الدين.