وقوله تعالى: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) ، فيه هذا الحكم المذكور آنفًا من وجوب القتال بلا خيرةٍ لمن نقض العهد وطعن في الدين، أمَّا من فعل أحد الأمرين: فنقض العهد بناقضٍ غير الطعن في الدين، أو طعن في الدين ولم يكن من المعاهدين، فلا تظهر دلالة الآية على حكمهما؛ أمَّا ناقض العهد غير الطاعن في الدين فلا يدخل في الحكم هذا إجماعًا لا يضره مخالفة ابن حزم، وأمَّا الطاعن في الدين الذي لم ينقض عهدًا فسيأتي حكمه.
ولا يُقال إنَّ الأمر بالقتال أمرُ إباحةٍ بعد حظرٍ لا أمر إيجابٍ؛ فيكونون كسائر الكفار الذين لا عهد لهم قد يُقاتلون وقد يُعاهَدون، لأنَّه لو كان كذلك لما كان لذكر الوصف الزائد معنىً، وهو الطعن في الدين فإنَّ الحكم عُلِّق بأمرين: هما الطعن في الدين ونكث العهود، ونكث العهد مبيحٌ للقتال بمفرده، فلمَّا تردد الحكم بين أمرين أحدهما وهو الوجوب أثقل من الآخر وهو الإباحة، وعُلِّق هذا الحكم على مناطين أحدهما أشدُّ من الآخر، وعلمنا أنَّ الحكم الأخفَّ ثابتٌ بواحد من هذين الأمرين منفردًا؛ كان الظاهر أنَّ ما في الآية تأسيسٌ لحكم زائدٍ ليكون لذكر المناط الزائد فائدةٌ، والظاهر من ترتيب الحكم بالفاء على الأمرين أنَّهما مناطٌ للحكم ليس أحدهما خارجًا منه، فكانت المناسبة مقتضيةً ترجيح وجوب القتال لا مجرَّد إباحته.