الصفحة 56 من 79

ومما يدلُّ على كون قتال ناكثي العهود الطاعنين في الدين قتالًا واجبًا لا خيرة فيه: قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ، فأخبر الله عزَّ وجلَّ عن عقوبته الكونية على المستهزئين بالرسل؛ وهذا من الطعن في الدين، وقد أجرى الله عقوبات المخالفين في هذه الأمة على أيدي عباده المؤمنين، فهي عقوبةٌ واجبةٌ من الله عزَّ وجلَّ أجراها قدرًا فيما سبق، وكلَّفنا بها شرعًا، ويمتنع أن تُجعل عقوبة على من استهزأ بسائر الأنبياء ولا تكون على من سبَّ النبي الخاتم أفضل النبيين صلى الله عليه وسلم، وهذا مسلكٌ يستدلُّ به أبو العباس ابن تيمية في مواضع من كتبه.

وهذا قد دلَّت عليه قرائنُ أيضًا منها القرائن المتصلة في الآية كقوله تعالى: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ويأتي الكلام عنه، ومن القرائن أنَّ الآيات تقدَّمت في إباحة دماء المشركين إلاَّ من له عهدٌ، وأمرت بالاستقامة لهم ما استقاموا فكان معلومًا من ذلك أنَّهم إن لم يستقيموا على عهدهم رجعوا إلى أصل الإباحة، ثمَّ ذكرت الآيات ما ينتقلون به عن العهد إلى العصمة الدائمة وهو الإسلام، فكان المذكور من أحكامهم ثلاثة أحكام: وجوب الاستقامة لهم إن استقاموا، ووجوب مؤاخاتهم إن أسلموا، وجواز قتلهم إن لم يكن لهم عهد أو لم يستقيموا، ثمَّ جاء هذا الحكم بما فيه من تغليظٍ مزيدٌ، والأصل فيه التأسيس لا التوكيد؛ فظاهره أنَّه حكمٌ رابعٌ: وهو وجوب قتالهم إن نقضوا العهد نقضًا مغلّظًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت