الصفحة 57 من 79

وقد عُلِّل وجوب القتال بما يُؤكِّد ذلك وهو قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ، والمراد لا عهود لهم، وهذه العبارة تحتمل الحكم ببطلان عهودهم السابقة إذا فعلوا ذلك الفعل، فلا يكون فيها أكثر من الحكم بأنَّ من نقض عهده فإنَّه لا عهد بينكم وبينه فقاتلوه، ولا ينفي ذلك أن يُعاهَدَ عهدًا جديدًا، أو يُترك قتاله لمصلحةٍ ولو بلا عهد، وهذا التفسير ظاهرٌ ضعفه، وليس فيه زيادةٌ على ما تقرَّر في الآيات السابقة من عدم الاستقامة لمن لم يستقم لكم، ومن الأمر بقتاله المتضمِّن عدم العهد وإلاَّ ما أُمر بقتاله، والتأسيسُ أولى من التأكيد، كما أنَّ قراءة ابن عامرٍ للآية تخالف هذا التفسير ويأتي ذكرها، ويدلُّ على ضعف التفسير ببطلان العهود السابقة: أيضًا: فيُرجَّح أحد المعنيين الآخرين الآتي ذكرهما.

والمعنى الثاني لقوله: (لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ، الخبر عنهم بعدم المحافظة على العهود فهم قومٌ لا عهود لهم يلتزمونها، فيكون المراد إذا نكثوا عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا هؤلاء القوم الذين لا يحفظون العهد ولا يلتزمونه، وهذا أقوى من المعنى الأوَّل، ويحتمل أن يكون معناه إذا قُرن بالأمر بالقتال قبله أن قاتلوا أئمَّة الكفر ولا تعاهدوهم لأنَّهم لا أيمان لهم، ولا فائدة من معاهدة من لا عهد له، فإذا فعل أحدٌ هذا الأمر فقد علمتم أنَّه ممن لا عهد لهم فقاتلوهم، فيكون القتال على هذا ضدَّ العهد ويُحمل الأمر بالقتال على الفور والاستمرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت