الصفحة 58 من 79

والمعنى الثالث؛ الإنشاء والحكم ببطلان أيمانهم، وهو كالمعنى الأول إلاَّ أنَّ المعنى الأوَّل فيه الحكم ببطلان عهودهم السابقة لنقضهم العهد، أمَّا المعنى الثالث ففيه الحكم ببطلان جنس العهود معهم، فهم قومٌ لا يُعقد لهم العهد، ولا يصحُّ لهم لو عُقد، ويكون قوله: (لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ، نفيًا للصحَّة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فتكون الآية على هذا المعنى حكمًا على عهودهم وأيمانهم الحاضرة والمستقبلة بالبطلان.

وهذا المعنى تُؤيِّده قراءة ابن عامر للآية: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) بالكسر، والإيمانُ مصدرُ آمَنَ يُؤمن، والإيمان والتأمينُ بمعنىً، ومن أسماء الله عزَّ وجلَّ: (المُؤْمِن) وهو واهب الأمن مما يُخاف، والأصل في القراءات اتِّحاد المعنى، وإذا كان في القراءة إجمالٌ واحتمال؛ ووجدنا قراءةً أُخرى مفسّرةً= حملناها عليها، ودلَّنا اللفظ الذي لا احتمال فيه على الوجه الصواب مما فيه احتمالٌ.

والنفي الوارد على تأمين هؤلاء المشركين، ليس واردًا على نفس العهدِ أو على فعلِ المشركينَ ليُقال إنَّ المراد به الخبرُ عنهم أنَّهم لا يحفظون العهود، إذ لو كان كذلك كان نظير قراءة ابن عامر - في غير القرآن-: إنَّهم لا إيمان منهم، فينفي صحة العهد الواقع منهم، أمَّا الإيمان لهم فإنَّه العهد الثابت لهم، ونفيه واردٌ على فعل المسلمين من معاهدتهم فنفى الله ذلك، كما لو قلتَ اقتل فلانًا فإنَّه لا احترام له، كما في قوله تعالى: (أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فالنفي فيه وارد على فعل النبي صلى الله عليه وسلم لهم والمضارع فيها قد يُؤوَّل فيكون لا استغفار لهم، وتكون اللام على هذا بدلًا من إضافة الفعل إلى فاعله، كما أنَّ اللام قد تكون لمطلق الاختصاص، ويكون المراد الإيمان المتعلق بهم، سواء كان منهم أو لهم، ولكنَّ الأوَّل أظهر والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت