فهرس الكتاب
والتفسير الثاني للآية على قراءة الجمهور قد يدلُّ على هذا المعنى أيضًا؛ فإنَّ من لازم الخبر عنهم بأن لا عهود لهم يحفظونها ولا أيمان يلتزمون بها= أن يمتنع عقد العهد لهم ومهادنتهم، لأنَّ العهد لا يُمكن أن يُعقد إلاَّ على الوثوق بالمُعاهد وأنَّه يلتزمه ولو في غالب الظنِّ، وهذا لا يُمكن مع من أخبر الله عنهم أنَّهم ليس لهم عهودٌ يحفظونها ويلتزمونها، وكل من نقض العهد وطعن في الدين دخل في هذا الخبر وعلمنا أنَّه لا عهدَ له، فلا يجوز لمن يعقد العهد وهو وليُّ المسلمين والناظر لهم في مصالحهم أن يعقد هذا العقد الذي يُعلم خلوُّه من المصلحة، وقد يُقال أيضًا: إنَّ العقود مبنيَّةٌ على مقصوداتٍ ووسائل لحصولها، وعقد الهدنة عقدٌ من المعقود، مقصوده أن يأمن كلٌّ من المتعاقدين الآخرَ مدَّةَ العقد، فإذا عُلم أنَّ مقصود العقد لا يحصل كان عقده لغوًا وتغريرًا بالمسلمين، وهذان وجهان فيهما ضعفٌ قد يُستدلُّ بهما على اتِّحاد معنى التفسيرين باستلزام أحدهما الآخر، ويرد عليه أنَّ للإمام أن يعقد عقدًا مع قومٍ لا يحفظون الأيمان والعهود ولو علم ذلك منهم يقينًا، إذا أمن جانبهم وانتفى الضرر عن المسلمين بنقضهم، ويكون ذلك سياسةً من سياسة الحرب كتخويف عدوٍّ غيرهم إذا رأى بين المسلمين وبين القوم الآخرين هدنةً، أو يريد بذلك أن يستظهر عليهم إذا نقضوا العهد وتظهر حجَّته وتضعف نفوس عدوِّه إذا علموا أنَّهم مستحقُّون للعقوبة ناكثون للعهد، وقد يُريد بها أشياء أُخرى من السياسة فيبطل الاستدلال بالتفسير الثاني على معنى التفسير الثاني، وينتقض التلازم بين كونهم لا يحفظون العهود وتحريم عقد العهود لهم.