فهرس الكتاب
وقد استُدلَّ بهذه الآية على كفر من طعن في الدين ممن ينتسب إلى الإسلام، وعلى وجوب قتله دون اختيارٍ فيه ودون استتابةٍ، وهذا الحكم يحتمله لفظ الآية؛ فإذا قلنا إنَّ اليمين في قوله: نكثوا أيمانهم تشمل العهد مع الله والعهد مع خلقه، كان قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، بيانًا لهذه اليمين، وتكون الآية في فريقين من الناس: الأوَّل: من عاهد من المشركين ثمَّ نقض عهده وطعن في الدين، والثاني: من أسلم ثمَّ نقض عهد الإسلام وطعن في الدين؛ وقد قال بعض المفسِّرين في قوله تعالى: (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) أي من قبل الدِّين، وذكروا استعمال اليمين بمعنى الدين كما تقدَّم، فلو سلِّمت هذه الدلالة كانت هذه الآية ظاهرةً في وجوب قتل الطاعن في الدين وبعض الأحكام التي اختصَّ بها ويأتي تفصيلها.
وإن قلنا إنَّ المراد باليمين العهد الذي يكون بين المسلمين والكفَّار، فإنَّ عقد الإسلام داخلٌ بقياس الأولى: فإنَّ كل ما يثبت بالعهد بين المسلمين والكفَّار يثبت بعقد الإسلام مثله وزيادةٌ عليه مما هو موضوع العهدِ ومقتضاه: ومنه أمانه من المسلمين وأمان المسلمين منه، بل للمسلم بعدُ مزيدُ الأمنِ والحفظِ لحقوقه والأخوَّة في الدين بحقِّ الإسلام، فإذا كان من عاهد ثمَّ نكث العهد وطعن في الدين مستحقًّا للقتل، فإنَّ من آمن ثمَّ نكث الإيمان وطعن في دين الإسلام أولى منه بالقتل وسائر الأحكام المذكورة في الآية، ويثبت ذلك من وجهٍ آخرَ: أنَّ العهد ليس فيه إلا نقض ميثاق بينه وبين الناس، أمَّا الردة فهي نقضٌ لميثاق الإيمان بينه وبين ربه، ولميثاق المؤمنين وعهدهم فيما بينه وبينهم.