الصفحة 68 من 79

الأول: قوله تعالى في المحاربين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وقد اختلف العلماء في إلحاق سائر الحدود بالحرابة على أقوال مرويَّة في مذهب أحمد وغيره، وصحَّة هذا الحكم فيما هو أخفُّ من الحرابة من الحدود قريبةٌ بقياس الأولى، وإن كان من الفقهاء من يُطلق نفي القياس في الحدود لأنَّها عقوباتٌ توقيفيَّة، وقد يُقال: إنَّ التوقيف في الجملة لا ينفي أن يُعقل وجه الترجيح، فيُعلم أنَّ هذا الحكم أولى من هذا أيًّا كانت العلَّة، وقد يُؤخذ من وجهٍ آخر كالتعليل بالحكمة فيُقال: إن كان هذا في الحرابة مع ما فيها من التغليظ فغير الحرابة من الأحكام أولى بالتخفيف؛ كما قال ابن القيم في الأعلام:"ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب، وإذا كان الله لا يعذب تائبًا فهكذا الحدود لا تقام على تائب، وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى"، ثم استشهد على ذلك بحديثين فيهما لينٌ، وهذه وجوهٌ فيها قوَّةٌ وليست مما يُمكن الاعتماد عليه في الجزم بمثل هذا الحكم.

الثاني: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تاب على بعض الطاعنين في الدين ممن تابوا قبل القدرة عليهم، كابن أبي السرح وغيره، ويُستشهد له بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عفا عمَّن استؤمن له قبل أن يأتيه، وإنَّما قُتل من وُجد مقدورًا عليه كابن خطل ومقيس بن صبابة، وأراد أن يُقتل ابن أبي السرح وكان جاءه بغير استئمانٍ سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت