فهرس الكتاب
وفي هذا القول ضعفٌ فلو علم ابن أبي سرح وغيره قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم أن لو استؤمن لهم كان لازمًا عليه تأمينهم والعفو عنهم ما احتاجوا إلى طلب الأمان، بل كان يكفيهم أن يُبلَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهم تائبون ثمَّ يأتونه آمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم ما عفا عنهم بتوبتهم وحدها بل أمَّنهم وقبِل منهم.
على أنَّ في القول بأن من قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كانوا غير مقدور عليهم نظرٌ، يأتي بيانه قريبًا إن شاء الله.
وقيل لا تُقبل توبته، فليس كل الحدود مثل الحرابة في العفو عن التائب قبل القدرة، فما كان فيه حقُّ مخلوقٍ كالقذف والقتل لا يسقط بالتوبة قبل القدرة ولا بغيرها إلاَّ بإسقاط صاحب الحقِّ، واختار أبو العباس ابن تيمية قبول التوبة فيما عدا سبِّ النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّه حقُّ آدميٍّ لم يُسقطه، وهذا تفريقٌ حسنٌ مبنيٌّ على الفرق بين الحد الذي هو حقُّ آدميٍّ معيَّن، والحدِّ الذي هو حقُّ الله عز وجل، وهو تفريقٌ صحيحٌ مجمعٌ عليه في الجملة، ولكن يردُ عليه أنَّ حق الآدمي (المحض أو المُغلَّب) لا يثبت إلاَّ بطلب المستحقِّ على الصحيح من القولين، وهذا عام في العقود وفي الحدود، كحدِّ القذف والقصاص، فلا يُحكم بقتل أحدٍ لحق النبي صلى الله عليه وسلم البشريِّ إلاَّ إن علمنا أنَّه طلب إقامته عليه، وهذا غير ممكن؛ فالأدلَّة فيها قتل الطاعنين بأمرٍ من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قيل إنَّ أمره صادر عن مقام النبوَّة ألغينا حقَّ المخلوق وحكمنا بأنَّ قتلهم لحق الخالق، وإن قلنا إنَّ أمره لحقه البشريِّ فلا دليل عندنا على استمرار الأمر للحق البشريِّ بعد موته صلى الله عليه وسلم.