فهرس الكتاب
فإن قيل: إنَّ أخذه بحقه البشري دليلٌ على طلبه فيبقى بعد موته، قلنا: وقد ثبت إسقاطه ذلك الحقَّ بعفوه عن بعض من نذر دمه، ويبقى العفو محتملًا عمَّن بعده، ولو أنَّ رجلًا طلب حقَّه من ألفِ رجلٍ، ما كان لنا أن نُجري الحكم على هذا لو استحقَّ شيئًا من رجلٍ بعد الألف حتَّى نعلم أنَّه طلبه، فكذلك هنا.
وأيضًا: فإنَّ حقَّ الآدمي لا يثبت بعد موته، بل لا يثبت إلاَّ في حياته كما في القذف، وإن كان يُستوفى بعد موته كما في القصاص وحقوق المال؛ ولا دليل على التفريق بين حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم وحقوق سائر الناس من هذا الوجه، فمن سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ثبت في حقه أمران هما الطعن في الدين وفي مقام النبوة، والحق البشري للنبي صلى الله عليه وسلم، أمَّا من سبَّه بعد موته فهو مرتدٌّ طاعنٌ في الدين وفي مقام النبوة وفي شخص النبي، ولكن الحق البشري لا يثبت عليه بذلك.
وثمرة هذا التفريق إلحاق الطاعن بالنبي صلى الله عليه وسلم بسائر الطاعنين إذا تاب قبل القدرة، فيُعفى عنه ويُدرأ عنه الحدُّ، وكذا كلُّ طاعنٍ في الدين تاب قبل القدرة عليه إن كان من المسلمين، وكلُّ كافرٍ أسلم قبل القدرة عليه سواءٌ تقدَّم له عهدٌ يحقن دمه أم لا.
الحال الثانية: أن يتوب بعد القدرة عليه.
كلُّ موضعٍ قيلَ فيه بقتل الطاعن في الدين إذا تاب قبل القدرة، فإنَّ التائب بعد القدرة أولى بالقتل في ذلك الموضع، ومن عفا عن التائب قبل القدرة؛ فإن جعل العفو من باب قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) لم يعفُ عن التائب بعد القُدرة، وإن جعل العفو اختيارًا للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الأئمَّة، والقتل قتل سياسةٍ لا حدٍّ - كالحنفية- جوَّز العفو بعد القدرة.