فهرس الكتاب
والصواب عدم العفو في شيءٍ مما تُستحق به الحدود عمَّن تاب بعد القدرة عليه، وإنَّما يُعفى عن التائب قبل القدرة كالحرابة وغيرها من الحدود.
والقدرة التي يُعلَّق بها الحكم قدرتان:
القدرة في حقِّ الأفراد: وهي وقوعهم في يد من يُقيم الحدَّ، وعدم امتناعهم أو اختفائهم عنه.
والقدرة في حقِّ الطوائف ومن لحق بها: ولا يلزم فيها هذا، بل يكفي أن تُكسر شوكتهم وتزول منعتهم، ويؤخذوا وهم في البلد أو الطائفة التي كُسرت قبل امتناعهم وتحيُّزهم إلى غيرها، ولهذا الفرق صورٌ متفق عليها، منها: من أسلم من أهل حصنٍ أو قريةٍ بعد أن تُفتح وينزلوا على حكم الإمام؛ فإنَّ الرق لا يزول عنه بإسلامه، ومن فرَّ منهم ولحق بدار الحرب أو بطائفةٍ آخرين ثمَّ أسلم وجاء مختارًا لم يجز استرقاقه بل هو مسلمٌ حرٌّ كسائر المسلمين؛ وعليه فإنَّ ابن أبي السرح ومن حاله حاله ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم عام الفتح لم يتوبوا قبل القدرة بل هم تائبون بعد القدرة عليهم، لكن تبقى مسألةٌ مشكلةٌ وهي إن زالت منعة قومه، لكنَّه اختفى وطُلب فلم يُوجَد فهل تكفي القدرة السابقة عليه أم لا بدَّ أن يكون مقدورًا عليه بما يُقدر على الأفراد غير الممتنعين، في هذا موضع نظر وتأمُّل، وقد يُقال إنَّه قبل أن يختفي مقدورٌ عليه، فلما اختفى كان خارجًا عن القدرة عليه ممتنعًا امتناع الأفراد، لكن لا يُمكن أن يكون ممتنعًا إلاَّ بعد اختفائه مدةً وطلبه ثمَّ لا يوجد، وهو قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدَّة، والله أعلم.