فهرس الكتاب
فإن قيل: كيف عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن قومٍ بعد القدرة عليهم، قلنا: كان الأمر في حياته كذلك إذ هو حقُّ مخلوقٍ شاركه حق الله عز وجل، فغُلِّب حق المخلوق وجاز له العفو كالقذف، وهذا جواب أبي العباس ابن تيمية عن هذا الإشكال، وهو جوابٌ محكمٌ لا تجتمع الأدلَّة ولا تستقيم المسألة إلاَّ به فيما ظهر لي، وأمَّا بعد وفاته فالظاهر سقوط حقِّ المخلوق كما سلف، وبقاء حقِّ الله المتعلق بالطعن في الدين، فيكون من لزمه حقَّان لله وللمخلوق جاز سقوط الحد عنه، ومن سقط عنه أحدهما وبقي الآخر لم يجز سقوط الحد، كما نقول في القاذف إذا قذف حيًّا ولو كان إمامًا من أئمة المسلمين يُجلد إن طلب القاذف ولا يُمسُّ بسوءٍ إن عفا عنه، وإذا كان المقذوف ميتًا يُعزَّر باجتهاد الإمام ولا يسقط عنه التعزير إن كان ارتكب عظيمًا في قذفه، وهو من الفروق المستغربة وإن كان فرقًا صحيحًا، أما استغرابه فلأنَّ العقوبة تثبت في الأقلِّ وتنتفي في الأكثر، وأمَّا صحَّته فلصحة مُتعلَّق التفريق وبنائه على أصولٍ صحيحةٍ منها قاعدة تغليب حقِّ المخلوق على حقِّ الخالق إذا اجتمعا وهي قاعدةٌ مشهورةٌ في الحدود وفي الفرائض ولها دخول في أبواب كثيرة من أبواب الفقهاء، وقد ذكر ابن سعدي جملةً من الفروق الصحيحة التي قد تُستغرب في أبواب الفقه المختلفة في كتابه"القواعد والأصول الجامعة، والفروق والتقاسيم البديعة النافعة"، وهو كتاب حسن، وفي كتب القواعد والفروق جملةٌ مستكثرةٌ من هذه الفروق منها ما هو فرقٌ صحيحٌ لا مدخل إليه، ومنها ما لا يُسلَّم.