فهرس الكتاب
فأمَّا توبة المرتدُّ فدخوله الإسلام، وأمَّا المعاهد فلا يكفي اعتذاره عن فعله، بل لا بدَّ في الواحد منهم أن يُسلم قبل القدرة، ولا بدَّ في الجماعة أن يبرؤوا من فعل الطاعن في الدين، ولا يحولوا بين المسلمين وبينه، وذلك أنَّ اعتذار المعاهد لا يُرجع العهد بخلاف إسلام المرتدِّ فإنَّه يُرجع وصفه بالإسلام، وأعلى منه إسلام المعاهد أو الحربي.
وحاصل هذه المسألة الأخيرة أنَّ المسلم والمعاهد والحربي إن تابوا قبل القدرة حُقنت دماؤهم، وإن قُدر عليهم قبل التوبة لم تُحقن دماؤهم ووجب قتلهم، سواءٌ في ذلك الطاعن في النبي صلى الله عليه وسلم، والطاعن في الدين كسابِّ الله عز وجلَّ وساب الشرائع، والتوبة من الكافر إنَّما هي على المعنى الذي قدَّمنا.
وما تقدَّم من تحريم تأمين الطاعنين في الدين، من الكفار الأصليين والمرتدين عن الدين، يُستثنى منه الرسول (من قومٍ إلى قومٍ- اتّفاقًا، أمَّا الرسول المرتدُّ فلما في حديث نعيم بن مسعود الأشجعي عند أحمد وأبي داود بسندٍ مقارب، وحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه وغيرهم من حديث ابن مسعود بأسانيد جياد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسولٍ لمسيلمة:"لولا أنَّك رسول لقتلتُك"، وهذا نصٌّ في الرسول المرتدِّ، وأمَّا الرسول الكافر كفرًا أصليًّا فهو داخلٌ في النصِّ لعدم الفارق المؤثِّر بينه وبين المرتدِّ، بل المرتدُّ أغلظ منه فيثبت فيه الحكم بالأولى، والأولوية هنا من جهة تنقيح المناط لا من باب قياس الأولى فهي أقوى من أولويَّة القياس لدخولها في دلالة اللفظِ والمعنى معًا، والقياس يدخل في دلالة المعنى وحدها، بل هي أقوى من مورد النصِّ لتيقُّن أنَّ الحكم متعلّق بالقدر المشترك، مع ثبوت وصفٍ زائدٍ معلومٍ تأثيره في الحكم، فدلالة النص على عصمة الرسول الكافر الأصلي أعظم من دلالته على عصمة الرسول المرتدّ.