فهرس الكتاب
وجاء تقديمه على النفس في غير ما آية قرآنية: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ، (لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) .
وإن المتأمل للآيات القرآنية يجد أن المال مقدم على النفس في كل آي القرآن سوى موضع واحد، وهو قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) وهذا يدل على عظيم أمر الجهاد بالمال، وأنه يجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، وقد يكون - في وقت - الجهاد بالمال أهمَّ وآكد من الجهاد بالنفس، فإن الجهاد يتطلب أموالًا باهضة، ونفقات هائلة، وثروات طائلة لا سيما في عصرنا الراهن، ووقتنا الحالي، فإن الجيش يحتاج إلى تغطية نفقاته المختلفة ومشاريعه المتعددة، ولذلك شرع الإسلام موارد مالية لهذا الغرض العظيم، والوظيفة العظمى، والمهمة الكبرى، وعَدَّدَ تلكم الموارد؛ لكي تظل الأموال تتدفق على القوة العسكرية بجزالة وسخاء وفاءً بجميع متطلباته، كي لا تضعف ميزانية الجيش، والتي متى ما ضعفت كانت عاملًا كبيرًا لضعف القوة العسكرية الإسلامية، وعجزها، بل وهزيمتها ومن ثم تختل قوة الإسلام، وتقوى قوة الكفر، ولا يقتصر ذلك على جهاز الجيش وقواته فقط، ولكن تمتد لتتناول كيان الأمة كلها في مواجهة عدوّها الداخلي أو الخارجي ولأجل ذلك جاءت السياسة الشرعية، والكفيلة بمصالح العباد في جميع شؤونهم الحياتية بتعدد الموارد المالية لجميع احتياجات الجيش ومتطلباته، الذي هو الكفيل بعد توفيق الله تعالى وتسديده بأن يسد أي نافذة تُنفذ منها إلى كيان الأمة، أو درعها الحصين.
وتواترت نصوص الكتاب والسنة تواترًا قطعيًا على وجوب بذل الأموال للجهاد والمجاهدين، حفظًا للأمن والاستقرار، ونشرًا للوعي الإسلامي، والدين الحنيف، فقال الله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، وقال تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز، قال: ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فوالله لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه) . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1894) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه 0