أوراق من دفتر سجين
الورقة الخامسة
أماه .."ابكي لدين ما عليه بواكي"
بقلم الشيخ؛ أبي محمد المقدسي
إن أنسى .. فلن أنس ما حييت، دموعك التي لم تجف أبدا منذ اعتقالي ..
وفي كل زيارة تذرفين المزيد على شبك الزيارة .. رغم ابتسامتي التي لا تغيب عند لقياك ..
أماه لا يخطر ببالك لحظة .. أن دموعك هينة علي أو ليست بعزيزة لدي .. كلا ..
فقد عرف البعيد والقريب حبي لك وبري بك ..
ولكن قد عرفّتك يا أماه مرارا أن دين الله أعز علينا .. وتوحيد الله أحب إلينا جميعا .. وهذا يا أماه هو عذري إن كنت سببا في المزيد من دموعك وأحزانك .. فاصبري .. فقد قلت لك مرارا وتكرارا، أنني خلف هذه القضبان لأجل دعوة غالية .. هي دين الله وتوحيده ..
وكفى بهذا وسام فخار على جبينك يا أماه ..
أراك تقطعين الفيافي لأجل زيارتي بين الفينة والأخرى .. وعندما يطول انتظارك خلف أسوار السجن، تسمعين ثرثرة النساء حول قضايا أبنائهن أو أزواجهن أو إخوانهن .. أكثرها يدور بين السرقة والاغتصاب والمخدرات، والسلب والقتل وغيرها .. فتأملي كم هي حقيرة ساقطة تلك القضايا الدنيوية التي تزج بأهلها سنينا طوالا، فتقطع الأرحام، وتفرق بين الأحباب، وتستجلب الفتن العظام .. لأجل دنيا فانية .. أو شهوة ساقطة زائلة ..
أما نحن يا أماه .. فقد عرفتك مرارا بطبيعة قضيتنا وتهمتنا، تهمة عز ورفعة وفخار، في زمان جثا فيه أكثر الناس، وتخاذلوا عن نصرة الدين، وطأطؤوا الرؤوس لجلاديهم، وقنعوا بعيش ذليل، ورضوا بصمت يخلصهم من تكاليف هذه الطريق .. فلا بد أن تشمخي وتفخري بهذه المنحة التي اصطفانا الله لها .. وتسأليه سبحانه الثبات والقبول وحسن الختام