أوراق من دفتر سجين
الورقة الثامنة
تأملات في حسن الظن بالله
(( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) )
بقلم الشيخ؛ أبي محمد المقدسي
بسم الله الرحمن الرحيم
آية في كتاب الله تأملتها ووقفت عندها طويلا .. وحق لي أن أقف ..
وذلك قوله تعالى في سورة الشورى: (( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) )
فشاهدت في مخيلتي حال الناس وجزعهم على أنفسهم وذراريهم وأنعامهم وحرثهم، وقد جف الضرع وماتت الأرض وسط رمضاء محرقة وقيظ قاتل وجفاف شديد ..
وقد رغبوا إلى الله وضجوا بالدعاء حتى تقطعت بهم الآمال، وأيقنوا بالبوار والهلاك .. وإذا بالغيث يفجؤهم من السماء مدرارا ناشرا آثار رحمة الله في فجاج الأرض وشعابها؛ لتحيى الأرض والنفوس والأرواح! بعد يأسها وموتها ..
وكم هو جميل أن تختم الآية بإسمي الله (الولي الحميد) فهو سبحانه ولي العباد وحده , الذي تكفل بهم وتولى أمرهم في كل آن .. ولذلك كان وحده المستحق للحمد في كل حال ..
وكل ولي سواه فقد ينسى أو يضل أو يفرط أو يغفل ..
أما (الولي الحميد) فلا يضل ربي ولا ينسى، سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم .. هو الحي القيوم .. ولذلك فإن كل من تولاه فإنه سيجده - ولا ريب - نعم المولى ونعم النصير .. ينشر رحمته لأوليائه في كل آن وفي كل مكان .. حتى في أضيق الأماكن وأحرج الساعات ..
ويمر في مخيلتي موكب الصالحين وقوافلهم السالكة السابقة في عمق الزمان ..