قوله تعالى: (واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) وهذه الآية نزلت في رجل عالم عابد في زمان بني إسرائيل، يقال له:"بلعام"، وكان يعلم الاسم الأعظم؛ (و لعل الرجل أعلم من مسيء عدو الحميد) قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل بهم موسى عليه السلام يعني بالجبارين - أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة.
قال: إني إن دعوت الله، ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله تعالى: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) .
وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه؛ فذكر تعالى: أمر هذا المنسلخ من آيات الله، بعد أن أعطاه الله إياها، وعرف وصار من أهلها، ثم انسلخ منها، أي: ترك العمل بها، وذكر في انسلاخه منها، ما معناه، أنه مظاهرة للمشركين ومعاونتهم برأيه، والدعاء على موسى عليه السلام ومن معه، أن يردهم الله عن قومه، خوفًا على قومه، وشفقة عليهم، مع كونه يعرف الحق ويقطع به، ويتكلم به ويشهد به، ويتعبد، ولكن صده عن العمل به: متابعة قومه، وعشيرته، وهواه، وإخلاده إلى الأرض، فكان هذا انسلاخًا من آيات الله.
وهذا هو الواقع من هؤلاء المرتدين، وأعظم، فإن الله تعالى أعطاهم آياته التي فيها الأمر بتوحيده ودعوته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك به، ودعوته، والأمر بموالاة المؤمنين، ومحبتهم ونصرتهم، والاعتصام بحبل الله جميعًا، والكون مع المؤمنين، والأمر بمعاداة المشركين وبغضهم، وجهادهم وفراقهم، والأمر بهدم الأوثان، وإزالة القحاب واللواط، والمنكرات، وعرفوها وأقروا بها، ثم انسلخوا من ذلك كله، فهم أولى بالانسلاخ من آيات الله، والكفر والردة، من بلعام أو هم مثله.
الدليل الثالث عشر:
قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) فذكر تعالى: أن الركون إلى الظلمة والكفار والظالمين، موجب لمسيس النار؛ ولم يفرق بين من خاف منهم وغيره إلا المكره، فكيف بمن اتخذ الركون إليهم دينًا ورأيًا حسنًا (و زعم أن من الواجبات المتحتمات على المسلم اليوم الدخول في العمل السياسي والاشتراك في برلمانات الكفار!!) ، وأعانهم بما قدر عليه من مال ورأي، وأحب زوال التوحيد وأهله، واستيلاء أهل الشرك عليهم، فإن هذا من أعظم الكفر والركون.