الرد المفصل؛ (1) من هم أهل العلم الذين يجب الرجوع إليهم؟
قالوا عن الجهاد: (لابد من استيفاء أسبابه وتحقيق شروطه وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم بعيدًا عن الاجتهادات الخاصة التي قد تمهد للعدو عدوانه وتعطيه الذريعة لتحقيق مآربه) .
نقول: هذا كلام مجمل وعام ومنهج أهل العلم توضيح المجملات وتفصيل العمومات ودورهم تنزيل النصوص على الواقع لا النقل المجرد أو نقل نصوص في غير موضعها وعلى هذا فالجهاد لا يخلو من حالتين إما أن يكون الجهاد جهاد طلب فهذا له أسبابه وشروطه وهذا ليس هو الموجود هذه الأيام مع العدو وإن كنا لا نعني بأسبابه تكافؤ القوة والعدد، ولا تربية الأمة بعيدة كل البعد عن روح الجهاد والاستشهاد.
1)إما أن يكون جهاد دفع وهو الموجود فهذا أسبابه ليست غامضة ولا تحتاج إلى تنقيب وبحث فالجميع يعرفها ولا ينكرها فضلًا عن استفاضتها في كتب الفقه والفقهاء، كما قال في الروض (يجب الجهاد إذا حضره أو حضر بلده عدو .. ) [1] .
نقول؛ فكيف وقد حضر العدو بلاد المسلمين كلها بل أصبح عدوًا يهدد البشرية فضلاَ عن المسلمين؟
قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شيء بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق في دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) [الاختيارات: ص257] .
فلا شك أن الجهاد واجب الآن وهذا لا نعلم فيه خلاف وفق ما ذكره أهل العلم ونحن الآن في جهاد الدفع لا جهاد الطلب.
قال أبو زكريا بن النحاس في مشارع الأشواق [1/ 101] : (فإذا دخل الكفار بلدة لنا وأطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا وهم مثل أهلها أو أقل من مثليهم صار الجهاد حين إذ فرض عين فيخرج العبد بغير اذن السيد والمرأة بغير اذن الزوج إن كان فيها قوة دفاع على أصح الوجهين فيهما وكذلك يخرج الولد بغير إذن الوالدين والمدين بغير إذن صاحب الدين وهذا جميعه مذهب مالك [2] أيضا وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ... ) إهـ.
قلنا؛ كم من بلد من بلاد الإسلام دخلها الكفار وشردوا أهلها وفعلوا بهم الأفاعيل فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك لازال البعض يتردد هل توفرت شروط الجهاد أم لا؟
بل روى أشهب عن مالك رحمه الله تعالى قال: (ويجب على المسلمين فداء أسراهم بما قدروا عليه كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم وإن لم يقدروا على فدائهم بكل ما يملكون فذلك عليهم) إهـ [النوادر والزايدات: 3/ 301] .
قلنا: وكم وكم من المسلمين من هو أسير؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
قولهم: (وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم بعيدا عن الاجتهادات الخاصة التي قد تمهد للعدو .. ) :
كأنه يشير بقوله؛ (الاجتهادات الخاصة) إلى أن الجهاد القائم الآن وهو جهاد الدفع المجمع عليه عند العلماء أن من أفتى به فقد أفتى باجتهاد منه مهد للعدو عدوانه، ناسين أو متانسين الإجماع على وجوب جهاد الدفع.
قال شيخ الإسلام: (والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين حتى يلتزموا شرائع الإسلام وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وحتى تكون كلمة الله التي هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره هي العليا، هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم فكيف إذا استولوا على أرض الإسلام من العراق وخراسان والجزيرة والروم فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيًا وعدوانًا) [ثلاث رسائل في الجهاد لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص 33 - 34] .
ثم نقول؛ من هم أهل الرسوخ في العلم وما صفاتهم وشروطهم ومؤهلاتهم؟ هل يعنون بأهل الرسوخ علماء السلطان العملاء الذين يصدرون الفتاوى والمقالات التي ترضي الطواغيت؟ فمن تعازيهم وبكائهم وحزنهم على أبرياء أمريكا إلى تجاهلهم وتعاميهم عن أبرياء أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين ... إلى خدمتهم للحكومات الظالمة في تحريم العمليات الاستشهادية ... إلى تهجمهم على المجاهدين الصادقين ... فمن هذه بعض سماته هل يكون مؤهلًا للرجوع إليه. أم يعنون بهم العلماء الساكتين عن الحق الراضين بالدون؟
أم يعنون بالعلماء الإنهزاميين المخذلين المثبطين الذين فتئوا يتكلمون عن أهمية التربية في وقت يقصف فيه المسلمون؟
أم يعنون بالعلماء علماء الجهاد والمجاهدين الذين لهم قصب السبق والقدح المعلى في نصرة المجاهدين وإيوائهم والذب عن أعراضهم علماء الجهاد الذين نطقوا يوم أن سكت غيرهم وكتبوا وأفتوا حين لم يكتب ولم يفتِ غيرهم، ودافعوا عن الجهاد والمجاهدين يوم أن افترى أو تهجم على المجاهدين غيرهم، وحرضوا حين خذل غيرهم، ودعموا حين أحجم غيرهم، فهم بحق كما قال الله تعالى: {لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} ؟
فإن قصدوا بالعلماء علماء الجهاد هؤلاء، فلا - والله - نعلم عن المجاهدين إلا رجوعهم إلى مثل هؤلاء الراسخين الصادقين، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
وأنى للمجاهدين رجوعهم إلى رموز محسوبين على أهل العلم، خذلوهم أحوج ما يكونون إلى النصرة والمعونة، بل هاجموهم بعد غزوة نيويورك وواشنطن الذين ثأر فيه المجاهدون لإخوانهم المسلمين وقالوا؛ هذه إفتيات على الأمة، بل أخرجوا بيانات مستقلة وصفوا فيها المجاهدين بأنهم أصحاب عجلة وغلو وليس عندهم تربية ولا علم.
وآخر يقول: (لأن تأتيني بشاب ينجح في تربية مجموعة من الشباب سلوكيًا .. خير من شاب يلقي بنفسه في أتون نار تلظى ولو كان سيذهب شهيدًا) .
ولن ينسى المجاهدون بل الأمة كلها (بيان التعايش) الذي هو يعد ورقة تزلف إلى الكفار على حساب أعراض المجاهدين، ولذلك فمن السذاجة والله والسطحية لدى المجاهدين. لو رجعوا إلى أمثال من وقّع على (بيان التعايش) ومن وقّع على مثل هذا البيان.
1)حاشية الروض 256 - 257
2)والذي تقدم هو مذهب الشافعي.