الصفحة 2 من 45

الفارق بين المحقِّق والسارق"2"

[الكاتب: عبد العزيز بن فيصل]

والكف عنها في العواقب أحمد ... عَوءدا على بدءء، والعود أحمد!

الحمد لله، وبعد:

فكنت قد كتبت مقالا نشر في (جريدة الجزيرة) يوم الاحد 1421/ 9/28ه في الصفحة التراثية المعروفة، المسماة: بـ"وراق الجزيرة".

بينت فيه: سرقة علمية كبيرة، قام بها أحد السُّراق الحُذّاق! وليست أولى سرقاته! ولا أخالها الأخيرة! وهو علي بن حسن الحلبي.

وكان قد عمد إلى"كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر"لابن الأثير، بتحقيق الاستاذين الكبيرين: الطاهر الزاوي، والدكتور محمود الطناحي - رحمهما الله - وكان في خمسة مجلدات كبار، فجعلها - هذا الحاذق - في مجلد واحد كبير، بخط دقيق، وورق رقيق، ووجه صفيق!

وقد بينت في تلك المقالة: عظيم جهدهما - رحمهما الله - وكبير عنايتهما، بطبعتهما تلك، وما قاما به، حتى خرج عملهما بتلك الصورة البديعة.

وذكرت - فيما ذكرت - انهما - كما ذكرا - جعلا"الطبعة العثمانية"لكتاب"النهاية"اصلا، ثم صححا اخطاء تلك الطبعة، وصوبا ضبطها، ثم قابلاها على نسخة خطية جيدة، لكتاب"النهاية"محفوظة"بدار الكتب المصرية"برقم (516حديث) في مجلد كبير، ورمزا لهذه النسخة بحرف (أ) .

ثم عمدا إلى نسخة نفيسة من"كتاب الغريبين"للهروي - ولم يكن طبع حينذاك - في ثلاثة مجلدات، محفوظة ب"دار الكتب المصرية"برقم (55لغة تيمور) إذ انه أحد مصادر المؤلف ابن الأثير.

وقابلا نقل ابن الاثير منه، توثيقا للنقل، وتصحيحا لما قد يحصل في الاصل من تحريف أو تصحيف. وذكر الاستاذان: انهما وقفا - بعد تلك المقابلة - على فروق مهمة جدًا.

وكان ابن الأثير، إذا نقل من"كتاب الغريبين"للهروي: سبقه بحرف (ه) ، إلا ان ذلك قد تخلف في مواضع كثيرة!.

فقام الاستاذان، باستدراك ذلك كله، ووضعا الرمز (ه) لما نقله ابن الاثير منه، ولم يرمز له، الا انهما جعلاه بين معكوفين تمييزا لعملهما من عمله.

وراجعا في ضبط"كتاب النهاية"وتصحيحه: كتبًا كثيرة، ك"الفائق في غريب الحديث"للزمخشري، و"لسان العرب"لابن منظور، و"تاج العروس"لمرتضى الزبيدي، واثبتا فروقها ورواياتها، في مواضع كثيرة، وسجلا تعقيبات السيوطي على"النهاية"وزياداته من كتابه"الدر النثير".

كما راجعا:"جامع الاصول"لابن الاثير، وكتب الحديث نفسها، في تصحيح بعض الالفاظ، أو إزالة إشكالها.

واحتكما في ضبط مواده اللغوية: إلى المعاجم، في كل صغيرة وكبيرة، كما ذكرا رحمها الله.

وبعد جهد الاستاذين (الزاوي والطناحي) رحمهما الله، وعملهما فيه سنين، عمل تحقيق وتدقيق، لا اختلاس وتلفيق!: أتى هذا الحاذق! (علي الحلبي) مع مركز (ن) وسرقوا جهد الاستاذين، بل وزادوا على قبح فعلتهم: ان كتبوا على غلاف طبعتهم تلك: (حقوق الطبع محفوظة 1421ه! لا يسمح باعادة نشر هذا الكتاب! أو أي جزء منه! بأي شكل من الاشكال!! أو حفظه أو نسخه! بأي نظام ميكانيكي، أو الكتروني، يمكن من استرجاع الكتاب! أو ترجمته إلى أي لغة اخرى! دون الحصول على اذن خطي مسبق من الناشر!) اه بنصه.

حفاظًا على سرقتهم هذه ان تسرق! وكأن الناس ليس لهم حقوق في حفظ حقوقهم وجهودهم! أو انها تصبح كلأ مباحًا بعد موتهم!

وهذا، وان كنت قد ذكرته في ذلك المقال الاول المشار اليه، إلا اني أعدته هنا: لبيان عظيم جرم هذا السارق من وجه، واحاطة من لم يقف على مقالي الاول، بمختصر ما فيه من وجه آخر.

وبعد هذه الفضيحة، بالشواهد والدلائل الصحيحة: حار فكر هذا السارق! كيف يصنع؟ وأي خرق - عساه - يرقع! فسكت دهرًا، وحين نطق، نطق كذبًا ومكرًا!.

فرد علي ضمن كتاب طبعه حديثًا سماه"الرد البرهاني، في الانتصار للعلامة المحدث، الامام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني" (وهو رد على جزء صغير، كتبه الدكتور ابو رحيم، بعنوان"حقيقة الايمان عند الشيخ الالباني"في مجلد، كان رده عليّ في الصفحات(235 - 238) .

فرماني - أنا - بالسرقة!! ولبّس، ودلّس، وحرّف، بل وكذب! من غير حياء ولا أدب! ثم - في آخره - توعد وتهدد ان لم أكف: أن سيفعل!! وأنشد:

ان تنجوا (منا) تنجح من ذي عظيمة

وإلا فاني لا أظنك ناجيا

فتذكرت قول الشاعر المجيد، وأنشدت:

فدع السفاهة انها مذمومة

فحسامك القطاع ليس له يد ... ودع التهدد بالحسام جهالة

ممن توعّده، ومن تتهدد ... من قد تركت به قتيلا أنبني

لقرير عين بالبقاء مخلد ... ان لم امت الا بسيفك انني

لا مين فيه يذوب منه الجلمد ... اسكت! فلولا الحلم جاءك منطق

لكن جميل الصفح مني أعود ... ينبي بأسرار لديك عجيبة!

ٍ وصدق ما يعتاده من توهم ... وأنا أجمل بيان تلبيسه، وتدليسه وتحريفه، وكذبه في نقاط مختصرات:

احداهما:

لقبني - أو حاول - ب"وراق الجزيرة"! موهما انه لقبي! ومكتوب على رأس مقالي! بل زاد ان قال: (كما هو مثبت على رأس الصفحة، والانصاف عزيز) !!

وهذا كذب، فإن"وراق الجزيرة": اسم للصفحة التراثية، بـ"جريدة الجزيرة"وليست لقبًا لي، ولا لغيري! وهذا ظاهر، الا انه يريد امرًا ما! لم يتم له! شفاه الله، أو شافاه!

النقطة الثانية:

زعم ان بعض"الحزبيين"- كما سماهم، ولم يبين من يريد!! - حاولوا التلبيس! بأني - أنا - عبدالعزيز (بن عبدالله) الراجحي! الشيخ العالم الكبير، ليروج هؤلاء الملبسون - بزعمه - مقالي ذلك!!

وهذا كذب من وجهين:

1 -ان اسمي كتب ثلاثيًا على المقال، بل وصورتي كانت معه، فكيف يكون التلبيس؟!

2 -ثم إن كون كاتبه: هذا أو ذاك، لا يغير في الحقيقة شيئًا - وليس هو محل النزاع، ولا طرفًا فيه - فالسارق سارق! والدليل قائم في (الفارق) !

النقطة الثالثة:

اغضب الحلبي كثيرًا: تلقيب الدكتور ابو رحيم لي: بـ (الاستاذ) ، فاشتط به الغضب، فقال: (فإذا بهذا الوراق - لرده على علي الحلبي - يصبح بقدرة قادر: استاذًا!. فأقول: أستاذ ماذا؟! يا هذا لعلها من بابة استاذيتك، الواردة اليك في الأحلام! في اليقظة والمنام!) أهـ كلام الحلبي.

وهذا تلبيس، يظهره أمور:

1 -اني عند هذا (السارق) : مجهول حال! فلا يعرفني، أكنت استاذًا! أم لم أكن! فبم نفى ذلك، وقد أثبته ابو رحيم؟! أم ان ردي عليه، مسقط لاستاذيتي! ان كنت استاذًا؟!

2 -وكيف عرف ان سبب استاذيتي - عند الدكتور ابو رحيم - هي ردي عليه؟!

ثم ان الحلبي اصلا: لا يقيم لهذه الالقاب اعتبارًا! لا (استاذ) ولا حتى (دكتور) فقد اعتبرها في كتابه هذا ص (42) وفي غير موضع: من (الإهالات) ! التي لا تعبر - البتة - عن أي ثقة علمية، وانما هي محض (شهادات) فارغة! والقاب خاوية! كذا قال! فإن كانت لا قيمة لها - كما ذكر - فلم نفاها عني؟!

وكان الحلبي يعني بكلامه ذلك - في نفي قيمة الالقاب العلمية - الدكتور ابو رحيم! وجعل الحلبي العمدة في الثقة العلمية: إلى (الإجازات) فقال في كتابه ص 420: (فالاجازات العلمية من مشايخ العلم، وأهل الفضل: هي الاصل الأصيل، النافي جهل كل دخيل، وقد منّ الله علينا - وله الفضل وحده - بعدد منها، عن عدد منهم. واثباتهم في ذلك محفوظة، كالشيخ العلامةة حماد الانصاري، والشيخ العلامة بديع الدين السندي، والشيخ العلامة عطاء الله حنيف الفوجياني، والشيخ العلامة عبدالله بن سعيد اللحجي، والشيخ العلامة محب الله الراشدي، والشيخ العلامة محمد السالك الشنقيطي) . ثم قال: (وغيرهم) . ثم قال: (والاجازات العلمية هذه - في أصل وضعها - هي المعبرة تمامًا، عن حقيقة الثقة العلمية، الممنوحة من قبل المجيز في المجاز) أهـ كلامه.

وأقول: هذا مقياس العلم عنده، ولا بأس! فإن كان ذلك كذلك: فاني اعلم منه، وأرفع، وأوثق علمية! فإن مشايخي الذين اجازوني، اضعاف اضعاف من اجازوه، بل ان منهم: شيوخ بعض مجيزيه! فانا في طبقة بعض شيوخه!

وقد أجزت - بحمد الله - عن نحو مائة مسند، بل يزيدون، غير من درست عليهم. فإن كنت عند الحلبي - بعد هذا - لا أستحق لقب (استاذ) : فماذا يكون هو؟!!

النقطة الرابعة:

زعم اني سارق! لسرقتي - كما يزعم - معلومة طبعات"كتاب النهاية"لابن الاثير: من مقدمة الطناحي! فقال: (فقد أوقع الله تعالى هذا الوراق، ومن تابعه ممن ليس له خلاق، أو اخلاق! - لشر صنيعه - ببعض ما اتهم فيه غيره بالباطل. فقد ذكر في طي مقاله: عدد الطبعات، التي طبعت من الكتاب، وبيّنها! محددًا تواريخها! ومحققيها! دون ان يذكر لقرائه، ممن مسوا ببلائه! مصدر هذا المعلومة النادرة! التي لا يستطيع ان يعرفها مجرد وراق! مع ان المصدر معروف، وهو بين يديه: انه مقدم الدكتور محمود الطناحي، وزميله!!) الخ كلامه.

وهذا كذب من وجوه:

1 -أحدها: ان هذه المعلومة، ليست بنادرة، وهي في مصادر كثيرة! لعل جهل الحلبي قد عمها، فلم يعرفها! فهي في:"معجم المطبوعات العربية والمعربة"لسركيس 35/ 1) و"ذخائر التراث العربي الإسلامي"لعبدالجبار (39/ 1) و"فهرس المكتبة الازهرية"634/ 1 - 635، و"دليل مؤلفات الحديث الشريف"121/ 120/1) وغيرها.

2 -الثاني: ان بعضها - بحمد الله - تحت يدي، واطلعت عليه.

3 -الثالث: ان الحلبي لم يظن ذلك، الا لأمرين: جهله، وقد قدمنا دليله، والآخر: ساء فعله! فقبح ظنه، على حد قول المتنبي:

إذا ساء فعل المرء، ساءت ظنونه

4 -الرابع: لو سلمنا له جدلًا - ولا نُسلم أبدًا: ان هذه سرقة! لثلاثة أسطر! من مقدمة الطناحي! وكنت - كما حكم علي - سارقًا! وصنيعي شر! لهذه الأسطر الثلاثة!: فما حاله هو، وقد سرق آلاف الأسطر! مما قد حوتها مجلدات"النهاية"الخمسة الكبار، بتحقيق الزاوي والطناحي؟!! أخشى أن يحكم على نفسه - لفرط حسايته! ودقة خشيته! - بأنه مارق! لا سارق!.

النقطة الخامسة:

تساءل الحلبي عن: سبب خصي سرقته - لكتاب"النهاية"لابن الأثير - بالكتابة والبيان، وانا أرى - كما ذكر - اعمالًا (سرقات) كثيرة، شبيهة بعمله! ثم ضرب مثالًا فقال: (ولماذا اغمض عينيه مثلًا، عن"الكتب الستة"الصادرة من وقت قريب جدًا، قريبًا منه جدًا، في الرياض! في مجلد واحد، وحال هذا المجلد كحال ذاك المجلد! في الملحظ، والصورة، والحقيقة، نشرًا واشرافًا) إلخ.

وجواب هذه الكذبات الباردات، والتلبيسات الساقطات، سهل من وجوه:

1 -احدها: اني لم التزم فضح كل اللصوص! فإن فضحت لصًا واحدًا؛ لم يلزمني فضح البقية! ولم ألتزمه!

2 -الثاني: أن (مشوار) الألف ميل!: يبدأ بخطوة واحدة! وخطوتي الأولى: الحلبي! بل والثانية! وربما الثالثة! إن شاء الله، فله عندي: تحف! من جنس ما عرف!.

3 -الثالث: ان قياس عمل هذا السارق، في"كتاب النهاية"لابن الأثير، بعمل"الكتب الستة"المشار إليه: قياس مع الفارق! فإن كتب الحديث الستة، طبعت عشرات الطبعات، إن لم تكن المئات! وغالبها بغير حقوق ولا تحقيق! ولا أعرف أنهم عمدوا إلى طبعات، إن لم تكن المئات! وغالبها بغير حقوق ولا تحقيق! ولا أعرف أنهم عمدوا إلى طبعة معينة فأخذوها! بل طبعتهم - تلك: مزيج من طبعات كثيرة، حاولوا ان يستفيدوا منها جميعًا، ويخرجوا بطبعة جديدة جيدة، ولكل مجتهد نصيب!

والمشرف على تلك الطبعة: محتسب، لا مغتصب!

أما الحلبي: فقد سرق طبعة (الزاوي والطناحي) المحققة على الوجه البديع الذي قدمناه، وتقاضى على سرقته تلك ... الدولارات، لا الريالات!

النقطة السادسة:

زعم الحلبي: ان بطبعة (الزوي والطناحي) : اخطاءً طباعية، وأوهامًا علمية، ليست قليلة، وقع فيها المحققان السابقان، وانها قد صححت في طبعته تلك!!

وهذا باطل من وجوه:

1 -أحدها: أنه كذب، فما تلك الاخطاء الطباعية، والأوهام العلمية، غير القليلة، التي في طبعة (الزاوي والطناحي) ، وقام الحلبي، ومن معه بتصحيحها؟! ولماذا ترك الأمر، خلوا دون أمثلة، بل حتى دون مثال واحد.

2 -الثاني: هل وجود بضعة اخطاء في خمس مجلدات كبيرة، يحل سرقتها، بعد تصحيح تلك الاخطاء؟!! ااذن لن يسلم كتاب!!

3 -الثالث: ان طبعة الحلبي هذه المسروقة: هي ذات الاخطاء الطباعية والاوهام، وقد وقفت على جملة منها، افردها في حلقة قادمة - بمشيئة الله - مع موضوع ذي صلة بهذا السارق، وكتاب ابن الاثير هذا.

النقط السابعة:

ان محل النزاع بيني وبين الحلبي، هو: في كونه سارقًا لطبعة الزاوي والطناحي، ام لا، فلم ترك الحلبي محل النزاع، ولم يتكلم فيه! وخاض فيما سبق مما يعنيه، ولا يعنيه!

مع ان رده علي - قد اشتمل ضمنًا - على اعترافه بجنايته! وان أصل طبعته تلك: هو طبعة الزاوي والطناحي!

[الكاتب: عبد العزيز بن فيصل]

[جريدة الجزيرة / الجمعة 06 رجب 1423العدد 12502 السنة 38]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت