اشتراكية، أن الحل يكمن بـ» النمو «إلى جانب» التقشف «. وفي كلتي الحالتين فإن المواطن الذي دافعت الثورة الفرنسية عن حقوقه هو المرشح الأبرز ليكون كبش المحرقة وليس كبار الرأسماليين الذين نهبوا البشر بموجب القوانين والقيم الرأسمالية التي لا تعترف إلا بالسوق وبقيم الكسب.
لذا كان من الطبيعي أن ننتظر انفجارات اجتماعية في أوروبا، وأن نواصل مراقبتها وهي تنفجر بين الحين والحين لتجتاح الدول الرأسمالية بدءً من دول أوروبا الغارقة كاليونان وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وقبرص مرورا بروسيا و» إسرائيل «وانتهاءً بالولايات المتحدة. ودول أخرى يهددها الفساد والتفكك في بعض أجزائها كالصين التي تتميز مع روسيا عن غيرها بما لديها من فائض في السيولة النقدية، بعكس الولايات المتحدة مثلا التي تستدين لتتلافى الانهيار الاقتصادي والمالي. ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن ينصب غضب العامة من الناس على مراكز المال والبنوك وكبار الرأسماليين في العالم باعتبارهم اللصوص والناهبين والمتهربين من الضرائب وأول المسؤولين عن الأزمة.
وكي نتبين حجم الكارثة التي تضرب المنظومة الرأسمالية، والقيم الفاسدة التي تحتويها، يكفي أن نقارن دولة بحجم اليونان مع العالم العربي برمته. فاليونان دولة تعد 11 مليون نسمة، مقابل 350 مليون عربي. ولكن، بحسب إحصائيات شهر أيار / مايو 2011، فقد بلغت ديونها الخارجية 532 مليار $ بنسبة 157.7% من إجمالي الناتج القومي مقابل 649 مليار $ في 15 دولة عربية سنة 2010. أي بحدود 82% من الديون العربية و 1.6% من إجمالي الدين العالمي (23) . وبحساب الدين العام فالرقم يصل، بحسب 2012، إلى 948 مليار يورو، أي بنسبة 400% من إجمالي الناتج القومي. فكيف أنفق اليونانيون هذه الأرقام الفلكية؟ وكيف أنفق أيضا، كمثال آخر، بضعة ملايين في قبرص 157 مليار $؟ بل كيف خسرت الرأسمالية عشرات التريليونات من الدولارات؟ باختصار: أين ذهبت؟
أيا كانت السياسات المتبعة للحد من تداعيات الأزمة فإن الأرقام المتداولة عن حجم الدين العام (الخارجي والداخلي) في المنظومة الرأسمالية تظل مفزعة لأبعد الحدود لاسيما وأنها قد تتجاوز 100 تريليون $. وعليه فما من خبير اقتصادي أبدى قدرا من التفاؤل في حل الأزمة بقدر ما تتمحور السياسات، على بؤسها ووحشيتها، حول تخفيض حجم الديون والحد من العجز في الميزانية حتى يمكن» الاستمرار «!!! ولسنا ندري بأية معايير موضوعية أو قانونية أو فلسفية أو أخلاقية يمكن الثقة بمنظومة اقتصادية أقصى ما تطمح إليه هو» الاستمرارية «؟ وبأية معايير يمكن معالجة أزمة ضربت، دفعة واحدة، إجمالي المنظومة الفلسفية اللبرالية الرأسمالية في العالم وليس أجزاء منها؟
الحقيقة أنه لا وجود لأي معيار يذكر. فالأزمة تؤشر بوضوح لا لبس فيه أن الرأسمالية وصلت إلى طريق مسدود بإحكام. ولأنها فلسفة وضعية من صنع البشر، وليست عقيدة، فستنزوي قطعا كما انزوت أخواتها من قبل: الماركسية والاشتراكية والنازية والفاشية والعنصرية والفوضوية. وهذه الفلسفات شرعتها أديان وضعية إلى جانب