رغم مرور أكثر من سنتين على انطلاقة الثورات العربية، بدءً من تونس، إلا أن المؤشرات المنفرة منها، لدى عامة الناس، وكثير من النخب، غدت أكثر من المؤشرات المبشرة. فالثورات الشعبية باتت محاصرة بـ» ثورات مضادة «تنتظم وتنشط في (1) صيغ قوى محلية، أو (2) تدخلات إقليمية، سياسيا وماليا وأمنيا، أو (3) محاولات احتواء دولية، بدءً من الضغوط الاقتصادية، مرورا بالضغوط السياسية، وبالتأكيد ليس انتهاء بالضغوط الاجتماعية والمطالب القانونية والحقوقية وغيرها.
في محصلة الأحداث التي خلفت الكثير من القلق والمخاوف والتشكيك وسوء الظن بالنظر إلى ثقل الحصيلة التي أنتجتها الثورات، على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ثمة من يتساءل: عما إذا كانت الثورات قد حققت أهدافها؟ فيما يراقب آخرون: ما يعتقدون أنها حالة احتضار تشهدها الثورات، وثالث: يتهم قوى مضادة أو متسلقة بسرقتها، ورابع: يشكك في الجدوى من ثورات لم يتمخض عنها إلا شلالات من الدماء ودمار في البنى التحتية ومؤشرات على انهيارات اقتصادية وغياب للأمن وشيوع للفوضى والفتن بدلا من الاستقرار.
وفي مثل هذه الأحوال يميل الناس إلى مفاضلة يائسة بين ماض مستبد، ثاروا عليه وعلى رموزه، لكنه آمن، وحاضر، قانوني أو قيمي أو حتى شرعي، تستنزفه الفوضى بلا رحمة. وفي مثل هذه الأحوال، أيضا، تصاعدت نبرة شريحة من الناس ترى في الثورات العربية مجرد تعبير عن» فوضى خلاقة «، صنعتها الولايات المتحدة .. هذا المفهوم الذي ظهر سنة 1992 وجرى ترويجه على نطاق واسع بعد غزو العراق في 20/ 3/2003 .. ولا هدف منه إلا تدمير الدول وتخريب النسيج الاجتماعي وإعادة رسم جغرافيا المكان عبر» سايكس - بيكو «جديد.
باختصار: إذا كان الإسلاميون الذين وصلوا إلى قمة السلطة يخسرون لصالح الخصوم، سواء كانوا من اللبراليين والعلمانيين أو من رموز» الثورة المضادة «، فكيف يمكن الركون إلى القول بأن الثورات حركة اجتماعية تدفع بالأمة نحو التحرر من» الاستبداد «و» التبعية «و» الهيمنة «؟ وكيف يمكن الثقة بأن الثورات الشعبية هي الوسيلة المناسبة لإحداث التغيير؟ والأهم: هل التغيير» خيار طوعي «للأمة أم» خيار حتمي «؟
أولا: المشهد العام في دول الثورات
لعل أبرز ما يميز الثورات العربية أنها خلت من أي أطر فكرية حتى هذه اللحظة. بل أن القوى التقليدية هي التي تسلقت على ظهورها، وحولتها إلى ميادين لصراعات سياسية، وقبلت مجتمعةً بالعمل وفق الأطر
السياسية والفلسفية الموروثة. وأسوأ من هذا أنها توجهت نحو» المركز «، بشقه الغربي، أملا في انتزاع» شرعية «العمل السياسي أو لتقديم» ضمانات «سياسية وأمنية، تبدد مخاوفه من الإسلام، إما بادعاء» الوسطية «و» الاعتدال «وإما القبول بصيغة» الدولة القومية «و» النظام الدولي «وشروطه التاريخية التي لم تغادر ساحات»