الصفحة 13 من 20

سمات الواقع الإسلامي:

قبل إنشاء» عصبة الأمم « (24) في 25/ 1/21919 لم يكن ثمة نظام دولي ينظم العلاقات بين الدول كما صار الحال بعد ذلك. فقد كانت العلاقات بين الدول تنتظم في صيغ ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية أو إقليمية. لكنها لم تكن ذات صيغة عالمية. أما العلاقات بين الناس فكان التعريف عنها يجري بموجب الانتماء الديني (مسلم، مسيحي، يهودي، بوذي، سيخي، مجوسي، ... ) (25) وليس الانتماء القومي الذي لم يكن شائعا حتى أوائل القرن السابع عشر. فقد كان الناس، قبل ولادة مفهوم» الوطن «أو» القومية «أو» الأمة «، يجتمعون ويفترقون على أديانهم أو قبائلهم أو سلالاتهم.

لكن مع ظهور» الدولة القومية «، بوصفها أول وأهم وحدة سياسية، فقد غدت الطريق ممهدة لإقامة» النظام الدولي «الذي نعرفه اليوم. لكن» الدولة الإسلامية «ذات الصيغة الإمبراطورية، والتي يمتد سلطانها إلى حيث يوجد مسلمون، كانت هي العقبة الوحيدة التي اعترضت هذا النظام وأخرت انبعاثه لأكثر من قرن. وبالتالي كان لا بد للأوروبيين أن يجتهدوا في تفكيك العالم الإسلامي؛ إذا كان لهذا النظام أن يظهر ويغدو حقيقة واقعة. فالحاجة إليه غدت ملحة مع التقدم العلمي وظهور عصر الآلة، وامتلاك أدوات القوة والهيمنة والتسلط والغزو، فضلا عن الحاجة الماسة للأسواق.

وفعليا؛ ما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى مزقوا الكتل الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي شرّ تمزيق، إلى دول قومية على ذات الشاكلة الأوروبية. فقسموا» بلاد الهند «، ذات الأغلبية الإسلامية، إلى دولتين ثم إلى ثلاثة، وقسموا» الأكراد «كأمة بالغة الحيوية في التاريخ الإسلامي إلى أربع كتل ديمغرافية وُزعت على أربع دول إقليمية كبرى حتى لا تقوم لهم قائمة، وقسموا» بلاد الترك «إلى سبع دول، و» بلاد الشام «إلى أربع دول، و» الجزيرة العربية «إلى سبع دول أو إمارات. ولأن الفعل السياسي الهائل لا يمكن أن يثبت بموجب حسن النية أو قوانين أو معاهدات أو دساتير فقد عمد الغرب إلى تأمين» النظام الدولي «عبر ثلاثة» مرابط «كبرى تحول دون تفكيكه:

-المربط العسكري الهجومي. ويتمثل بزرع دولة اليهود في فلسطين، وهو المربط الذي مس شغاف

قلوب المسلمين، وألحق إهانة بالغة في صميم عقيدة المسلمين، باعتبار القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

-المربط السياسي. وتَمَثل بتأهيل للطائفة» النصيرية « (26) في سوريا، وتسليمها السلطة، واعتبارها القوة المؤتمنة على سلامة» النظام الدولي «واستقراره. أما» الدور الوظيفي «الذي تضطلع به فهو احتواء كافة حركات التحرر الوطنية التي ستنشأ في المنطقة ردا على تقسيم العالم الإسلامي وزرع» إسرائيل «فيه. ولهذا فإن ما يجري في سوريا من مذابح طاحنة، وبالغة الوحشية، وتدمير هائل للبنى التحتية، وانتهاكات للأعراض غير مسبوقة بتاريخ البشر، وخطف وتشريد وتعذيب لمئات الآلاف من الناس، وسط تواطؤ عالمي بارز، يرجع بالمقام الأول، إلى أن الصراع هو ضد» النظام الدولي «وليس من أجل» الحرية «. فالثورة السورية تجاوزت تقريبا كافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت