الأطروحات والمراحل التي من المحتمل أن تمر بها الثورات، وبدأت من المرحلة الأخيرة» إسقاط الهيمنة «. ولأنها أول تهديد جدي لـ» النظام الدولي «، منذ نشأته وإلى يومنا هذا، فقد أنجزت الثورة السورية فعليا ما لم تنجزه الأمة في المائة سنة الماضية.
-المربط العقدي. وهو الذي يجري بموجبه تشريع الوضع القائم عقديا، لضمان عدم» الخروج «عليه، عبر احتكار النظم السياسية لـ» سلطة الفتوى «وتوظيفها في خدمة» النظام الدولي «والإقليمي. ورغم أن مركزه في السعودية إلا أن رموزه ينتشرون في شتى أنحاء العالم في صيغة علماء ومشايخ وفقهاء أو فرق مستحدثة وأخرى ذات نوازع فقهية سياسية أو حركات وجماعات إسلامية.
أما الآن؛ فالسؤال الذي نطرحه الآن هو: ماذا يعني هذا التكوين لـ» النظام الدولي «؟ وما هو أثره العقدي على الإسلام وأمة المسلمين؟ أما الجواب فيحيلنا قطعا إلى النظر إلى» الهيمنة «باعتبارها المصطلح المرادف لـ» الحكم الجبري «. فما هي سماته (ها) المميزة عن غيره (ها) من أنماط الحكم الشائعة في العالم ماضيا وحاضرا؟
-بموجب» الجبر = الهيمنة «فقد تغيرت معادلات الصراع عن ذي قبل تغيرا جذريا لا مثيل له في السابق. يقول الله سبحانه وتعالي في محكم تنزيله: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا?} ، (البقرة: 217) . فقبل إقامة هذا» النظام الدولي «الراهن كانت ساحات القتال بين المسلمين و» ملل الكفر «تجري على الثغور والحواف الإسلامية، مع احتفاظ المسلمين بتقدم واضح في مشارق الأرض ومغاربها، وحصانة كبيرة للعالم الإسلامي من أية استباحة خارجية، رغم خسارة الكثير من البلاد الإسلامية واختراق بعض الثغور. لكن بعد إقامة» النظام الدولي «تغيرت وقائع الصراع ومعادلاته. ووقع العالم الإسلامي دفعة واحدة، ولـ» المرة الأولى في تاريخه «، في قبضة» المركز «وأدواته وتحالفاته وبشقيه، الشرقي والغربي.
-لذا وبموجب» الجبر «أيضا، خضع العالم الإسلامي لـ» الهيمنة التامة «و» التبعية الدائمة «لـ» المركز «. إذ لا يمكن اعتبار النظم السياسية القائمة، خاصة في العالم العربي، أصيلة بقدر ما هي ودائع استعمارية ذات امتيازات سياسية. وعليه؛ فما أن تعرضت لأول مواجهة شعبية جدية حتى سقطت كافة الأقنعة وأكاذيب العقود الماضية، وتجلت الحقائق للعامة دون أية مواربة، وطبقا لمعادلة صريحة من نوع:» إما أنا أو الفوضى - مصر «، أو» إما أن أحكم أو أقتل - ليبيا «، أو» الخروج = الفتنة والفوضى «و» لن أوقع ما لم أحصل على حصانة دستورية - اليمن « ... . أما توصيفات الزعماء لشعوبهم فهي كارثة بكل المقاييس. فقد بدت مصيبة أن يخرج رئيس بعد 23 سنة من الظلم والنهب والإجرام ليخاطب شعبه بالقول:» افهمتكم «وآخر ظل الناس يبحثون عن أصوله أربعين سنة ثم انتفض غاضبا على شعبه يصرخ:» من أنتم؟ «!!! ولا ريب أن مثل هذه المعادلات تعني وفق» حديث الخلافة «تشريعا وتحقيقا صريحا لـ» الحكم الجبري «، لاسيما وأن هؤلاء الحكام لا يبدو أنهم يرون في شعوبهم أكثر من كونهم مجرد» جرذان «أو» جراثيم «أو» مندسين «أو فقاعات «لكنهم مع ذلك يستحقون» الدبابات «و» الطائرات «و» البلطجية «و» الشبيحة «.