الصفحة 15 من 26

واقعيا، وفضلا عن بلاد الشام (4 دول) ، أكثر من «سايكس - بيكو» ضربت العالم الإسلامي، كما هو الحال في شبه القارة الهندية (8 دول) ، وبلاد الترك (7 دول) ، والجزيرة العربية (7 دول) ، وحتى الكرد الذين جرى توزيعهم على أربع دول إقليمية كبرى دون أن يكون لهم أية كيانية تذكر فضلا عن فصل المشرق العربي عن مغربه، بطريقة جعلت من مصر حائرة في موقعها. بلا هوية إلا من الهوية الفرعونية. فلا هي إلى المشرق أقرب ولا هي من مغرب الدول الخمسة أبعد!!

لكن، وبدون إطالة، فإن أوضح النوايا والأهداف الإستراتيجية التي تقف خلف توطين اليهود في فلسطين، ظهرت في توصية «مؤتمر كامبل» ، الذي عقد في العاصمة البريطانية - لندن سنة 1905، واستمرت مناقشاته إلى سنة 1907. وخرج بتوصية عاجلة مهدت لصدور «وعد بلفور» سنة 1917، والذي بموجبه أعلنت بريطانيا عزمها إقامة ما أسمته بـ «وطن قومي لليهود في فلسطين» . أما توصية «كامبل» فجاء فيها بالحرف ما يلي:

«أكد المؤتمرون:

إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر الأبيض المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها. هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة».

هكذا بالنص: «حاجز بشري: قوي ... وغريب» يتسم حصرا بكونه «قوة عدوة لشعب المنطقة» !!! جملتان من الدقة والبيان، بحيث يستحيل معهما التأويل كثيرا. ولا ريب أن الغاية من «شرط القوة» في هذا «الحاجز» هو ضمان قوته على كل صعيد، بما يفوق قوة الآخرين مجتمعين، وبما يستحيل تفكيكه، مع التعهد بتقديم الحماية والدعم المستمرين له من النظام الدولي. أما مضمون الاستحالة فتعني بالضرورة احتجاز أدوات القوة، كالعلم والمعرفة والثقافة والتنمية والاقتصاد والتجارة والسياسة والعسكر والأمن ... ، ومنع «الدولة القومية» في العالم الإسلامي، وليس فقط العربي، من أن تكون شريكة فيها، بحيث يبقى التفوق دائما من نصيب «الحاجز» . أما «شرط الغرابة» فهو الضامن لهذا «الحاجز» ، الدخيل على المنطقة، بأن يبقى ضمن إطار الحضارة الغربية، وملتزما بأهداف وغايات السياسة الدولية في المنطقة، دون أن يفكر حتى في التفاهم مع دولها، فضلا عن استحالة اندماجه فيها، خشية أن يضعف وتنتفي مبررات وجوده (13) [1] .

(1) ثمة فرق كبير جدا بين «التطبيع» مع الكيان اليهودي و «الاختراق» . لكن الملفت للانتباه أن بعض أشكال الخطاب السياسي و الإعلامي العربي وحتى الثقافي يعتقد بأن التطبيع مطلب ينسحب على الطرفين، العربي واليهودي، في حين نحسب أن المسألة لا تتعلق إلا بالطرف العربي المطالب بمحاصرة حالة العداء العربي لليهود. أما اليهودي فيسعى جاهدا لتحقيق اختراقات إستراتيجية تمس عمق المجتمعات العربية ومعتقداتها، بينما لا يسمح قط باختراق حصونه، لأن كشفه من الداخل سيعني فضح ثقافته العنصرية ونواياه وأحقاده ونظرية الاستعلاء على الآخرين لدى العامة من الناس. لكن المشكلة فيما يتعلق بـ «المسألة الشيعية» أشد تعقيدا لكونها لم تنكشف للعامة مثلما هو الحال مع «اليهودية» كعدو عقدي صريح. لذا فالدول التي يناصر أغلب أهلها إيران و «حزب الله» لم تألف الجوار الشيعي حتى تتعرف على التشيع وأهله عن قرب، بخلاف الدول التي يكون الشيعة جزء من تركيبتها السكانية والاجتماعية بحيث يبدو العداء واضحا وربما صريحا لإيران وأدواتها في العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت