والحقيقة التاريخية أن أوروبا، بعلمائها ومفكريها ومؤرخيها وساستها، يعلمون يقينا أن «اليهودية» بحد ذاتها صارت «مسألة» (14) [1] في أوروبا استعصى حلها منذ زمن طويل، إلا من التخلص منهم عبر زج اليهود في المعازل الأوروبية، وإخضاعهم إلى مقاطعة في كافة نواحي المعيش الإنساني. فما عرف عن اليهود، بين كافة بني البشر، أنهم لا يجيدون تعايشا ولا جوارا حضاريا ولا ثقافيا ولا إنسانيا. هذه هي بعض الحقيقة التي تسببت لهم بمذابح دموية كل مائة سنة تقريبا من التاريخ، لاعتقادهم أنهم صفوة الله من خلقه، وأنهم «شعب الله المختار» . لذا كان من المستحيل عليهم، بالأمس واليوم وغدا، الاندماج في أية بقعة على وجه الأرض.
وبطبيعة الحال لم يكن من الممكن أن تجد المنظومة الرأسمالية أكثر استجابة لتشغيل هذا «الحاجز» من «اليهودية» العالمية، فيما تتوفر عليه من شروط وخصائص مواتية، سواء من حيث «العداوة» أو من حيث «الغرابة» ، فضلا عن مكانة «اليهودية» في الرأسمال العالمي وما توفره من امتيازات في العلم والمال.
هو ذاك «المربط» المنتشر في كل العالم، حتى لو كان مركزه مهبط الوحي، سواء عبّر عنه شيخ أو داعية أو عالم أو جماعة إسلامية (خيرية، دعوية، إغاثية، سياسية، ... ) أو حزب أو منظمة أو اتحاد أو نقابة ... وبموجبه تم وضع الإسلام بنصوصه وتراثه وتاريخه وحضارته تحت وصاية النظم السياسية، وجرى انتزاع الفتوى وتوظيفها في خدمة النظم السياسية، ومن خلالها النظام الدولي وأمنه واستقراره، وبموجب «العقل الجَبْري» فقد تورطت حتى القوى الإسلامية، على اختلاف توجهاتها، بخدمة هذا «المربط» بوعي أو بدون وعي، وكذا فعلت جموع غفيرة من العلماء، فضلا عن تسليم هؤلاء بحق «الدولة القومية» في فرض الوصاية التامة على الدين.
الشائع لدى القوى الإسلامية ورموزها القول بأن الإسلام لم يحدد نظام حكم خاص تخضع له الأمة!! وأن الأمر تُرِكَ للاجتهاد، ورغم ذلك فإن هذا «الاجتهاد» هو الذي يدافع عن «وصاية الدولة» على الدين، وهو الذي يتبنى «الدولة القومية» بكل مدخلاتها ومخرجاتها، بما في ذلك مصطلحات «الاستقلال» و «السيادة» و «الحرية» و «الوحدة الوطنية» و «العدالة» و «المساواة» و «المدنية» وحتى «الديمقراطية» . بل أن هذه القوى أيضا تبنت مصطلحات «الشعب» أو «الأمة» ، ودافعت عن تاريخ محلي وحضارة محلية، بحيث غدت هوية كل شعب وانتمائه راجعا إلى «العِرْق» أو «القومية» الجديدة، وليس إلى الإسلام الذي اجتمعت عليه الأمة بمختلف مكوناتها العرقية والقومية لأزيد من 1300 عام مضت!!! وفي المقابل لم ترد مثل هذه المصطلحات أو أي منها أو مثلها في التاريخ
(1) ثمة توصيفات كثيرة جدا لما اشتهر في أوروبا بـ «المسألة اليهودية» ، منها ما كتبه كارل ماركس، ولعل أشهر التوصيفات مقالة ديتوفسكي. للاطلاع عليها: فيدور ديستوفيكي: «المسألة اليهودية» ، ترجمة حسن سامي اليوسف. وبحسب المترجم فقد نشرت المقالة أول مرة في مجلة «يوميات كاتب - آذار 1877» ، وهي مجلة الكاتب نفسه. وهي موجودة في مجلد «يوميات كاتب» من مجموعة الأعمال الكاملة، المطبوعة في بطرس بورغ سنة 1866، والصادرة عن «دار آس سوفورين للطباعة والنشر» ، بعد وفاته بخمس سنوات. على الشبكة: http://cutt.us/5 Wed